لا بارك الله في أرض لستَ فيها!
بسم الله الرحمن الرحيم
لا بارك الله في أرض لستَ فيها!
24 صفر 1448 الموافق: 7 / 8 / 2026
مهران ماهر عثمان- مسجد السلام بالطائف مربع (22)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، أما بعد؛
ففي سنن ابن ماجة، عن عُبَادَةَ بْن الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيَّ رضي الله عنه، أنه غَزَا مَعَ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه أَرْضَ الرُّومِ، فَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَبَايَعُونَ كِسَرَ الذَّهَبِ بِالدَّنَانِيرِ، وَكِسَرَ الْفِضَّةِ بِالدَّرَاهِمِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَأْكُلُونَ الرِّبَا! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تَبْتَاعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ لَا زِيَادَةَ بَيْنَهُمَا وَلَا نَظِرَةً». فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا الْوَلِيدِ! لَا أَرَى الرِّبَا فِي هَذَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ نَظِرَةٍ. فَقَالَ عُبَادَةُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ رَأْيِكَ! لَئِنْ أَخْرَجَنِي اللَّهُ لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ لَكَ عَلَيَّ فِيهَا إِمْرَةٌ، فَلَمَّا قَفَلَ لَحِقَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا أَقْدَمَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ وَمَا قَالَ مِنْ مُسَاكَنَتِهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ إِلَى أَرْضِكَ؛ فَقَبَحَ اللَّهُ أَرْضًا لَسْتَ فِيهَا وَأَمْثَالُكَ. وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: لَا إِمْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ، وَاحْمِلْ النَّاسَ عَلَى مَا قَالَ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الْأَمْرُ.
وأصل القصة في صحيح مسلم.
غَزَا مَعَ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه أَرْضَ الرُّومِ
كان ذلك في زمن الفاروق رضي الله عنه.
فَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَبَايَعُونَ كِسَرَ الذَّهَبِ بِالدَّنَانِيرِ، وَكِسَرَ الْفِضَّةِ بِالدَّرَاهِمِ.
والدينار يعادل أربعة جرامات وربعاً من الذهب الخالص، والدرهم يساوي 2.975 من الفضَّة، فكانوا يستبدلون الذهب بالدنانير، والفضة بالدراهم، فقد غنم الناس في المعارك آنيةَ ذهب وفضة كما في صحيح مسلم، فكانوا يبيعون آنية الفضة بالدراهم، وآنية الذهب بالدنانير.
والكِسَر القِطع وزناً ومعنىً، فيُستبدل ذهبٌ بذهبٍ متفاضلاً، وفضة بفضة متفاضلةً.
فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَأْكُلُونَ الرِّبَا! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تَبْتَاعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ لَا زِيَادَةَ بَيْنَهُمَا وَلَا نَظِرَةً».
رواية مسلم: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ».
فذكر النبي صلى الله عليه وسلم لمبادلة ربويٍّ بجنسه شرطين:
1/ التماثل.
2/ التقابض.
فالتمر مثلاً إذا كان عند أحدنا نوع –قنديلة على سبيل المثال- وأراد أن يأخذ بدلا عنه نوعاً آخر، فلابد من هذين الشرطين، قيراط بقيراط على سبيل المثال، ويتم التبادل في الحال.
امرأة ذهبت إلى الصائغ وتريد استبدال الذهب القديم بآخر حديث، لابد من الشرطين: التماثل والتقابُض.
فمن الخطأ أن تذهب المرأة إلى الصاغة، فتستبدل القديم بجديد مع فرق، هذا عين الربا.
فإن قيل: لكن التمر الأول أغلى ثمنا من الثاني فلابد من بذل فرق! والذهب الجديد لا يمكن أن يكون بقيمة القديم، لابد من فرق تبذله المرأة.
فالجواب في هذا الحديث:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَلَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» رواه الشيخان.
جنيب: تمر جيد.
وفي رواية فيهما: «أَوَّهْ أَوَّهْ([1])، عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا، لاَ تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِهِ».
وفيما فعله عبادة رضي الله عنه درسٌ: أنه لابد من تغيير المنكر وبذل النصيحة.
فلا فرق عند الله بين من فعل المنكر ومن لم يتمعر وجهه ويقوم بتغييره.
قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: 14]. أي: كذب قوم صالح بصالح عليه السلام فعقروا الناقة.
وقال: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: 77، 78].
ومعلومٌ أن الذي عقر ناقة صالح عليه السلام واحد، قال تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: 29]، وهو قُدَّار بن سالف، لكن لما سكت من معه وأقرَّوه على باطله أشركهم الله في الحكم والعقوبة.
وعن عرس بن عميرة الكندي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها» رواه أبو داود.
فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا الْوَلِيدِ! لَا أَرَى الرِّبَا فِي هَذَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ نَظِرَةٍ. فَقَالَ عُبَادَةُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ رَأْيِكَ!
فيه أن الربا نوعان:
1/ ربا الفضل
وهو بيع المال الربوي بجنسه مع زيادة في أحد العوضين.
مثال: أن يبيعه قيراط قمح مستورد بقيراطين من القمح المحلي.
ثبت في صحيح مسلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا».
2/ ربا النسيئة.
وهو بيع الربوي مع تأخير بدله.
مثال: بيع صاع من الحنطة بصاع يدفع له بعد يومين.
فمدار ربا النسيئة على التأجيل وتأخير القبض.
وفي الحديث من الفوائد:
أنه لا رأي لأحد مع النص.
قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله الله فِيمَا صَحَّ عَنهُ: “أجمع الْمُسلمُونَ على أَن من استبانت لَهُ سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يكن لَهُ أَن يَدعهَا لقَوْل أحد من النَّاس”.
لَئِنْ أَخْرَجَنِي اللَّهُ لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ لَكَ عَلَيَّ فِيهَا إِمْرَةٌ، فَلَمَّا قَفَلَ لَحِقَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا أَقْدَمَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ وَمَا قَالَ مِنْ مُسَاكَنَتِهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ إِلَى أَرْضِكَ؛ فَقَبَحَ اللَّهُ أَرْضًا لَسْتَ فِيهَا وَأَمْثَالُكَ. وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: لَا إِمْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ، وَاحْمِلْ النَّاسَ عَلَى مَا قَالَ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الْأَمْرُ.
فانتصر الفاروق رضي الله عنه -وهو من أشد الناس اتباعاً للسنة- لعبادة؛ لما معه من الحق.
خلاصة ما يستفاد من هذا الحديث:
لا يستبدل ربوي بجنسه إلا بشرطين: التماثل والتقابض.
وعليه:
فالتحويل عبر تطبيق إحدى البنوك بالجوال للرغبة في الحصول على كاش بدون تقابض ربا؛ لأن المطلوب في حال اتحاد الجنس -كجنيه بجنيه- التماثل، والتقابض معاً.
والمطلوب في حال اختلاف الجنس -كدولار بجنيه – التقابض دون التماثل؛ لحديث عبادة السابق: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ: فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» رواه مسلم.
وفرق بين عمليتي القرض والصرف.
وهذا رابط فتيا مجمع الفقه في ذلك([2]).
أختم بمسألتين:
1/ ما هي علة جريان الربا فيما نص عليه في الحديث؟
علة جريانه في الذهب والفضة: الثمنية. أي: كونهما مِن المعادن الثمينة المستعمَلَة في قياس قِيَمِ الأموال.
وعلة جريانه في بقية الأصناف: الطُعم، مع الوزن أو الكيل (كونها مطعومة مكيلة أو مطعومة موزونة).
2/ الذي لا يجوز بيعه نسيئة هو الربوي بالربوي الموافق له في علة الربا.
مثل البر بالتمر، لا بد من التقابض، وكذلك الشعير بالملح، وكذلك الذهب بالفضة، أما أحد الأصناف الأربعة بالذهب أو الفضة فيجوز فيه الأجل بلا خلاف.
رب صل وسلم على نبينا محمد.
[1] / (أوه) كلمة تقال عند الشكاية والحزن وقالها صلى الله عليه وسلم تألما من هذا الفعل.
[2] / https://t.me/mehranmahir/6224


