لا تحسبوه شرا لكم
بسم الله الرحمن الرحيم
لا تحسبوه شرا لكم
8 ربيع الأول 1448 الموافق: 21 / 8 / 2026م
مهران ماهر عثمان- مسجد السلام بالطائف مربع (22)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، أما بعد؛
فمما تعزَّى به المؤمنون بعد حادثة الإفك قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: 11].
خاض المنافقون في عرض نبينا صلى الله عليه وسلم، وتأذى النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وأحاط الألم بقلبه، وبكت أم المؤمنين رضي الله عنها إلى أن جف دمعُ عينها فصارت تبكي ولا يجري من العين ماؤها! وأصاب الصحابةَ حزن عظيم، وبينا هم على تلك الحال يأتي العزاء من الله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
فأين الخير في تلك المصيبة؟
الخير في التمحيص والابتلاء الذي تميز به المؤمنون عن المنافقين.
والخير فيما ظفَر به الصابرون على هذه المصيبة من أجر كبير ورُتْبَةٍ عظيمة.
والخير في رفع مقام أم المؤمنين رضي الله عنها إذ أنزل الله في القرآن براءتها.
والخير فيما اشتملت عليه قصتها من التشريعات والآداب، قال صديق حسن خان في فتح البيان: “وهذا غاية الشرف والفضل”.
ومن ذلك: أنه لا سبيل إلى السلامة من أذى الناس.
آذى الناس ربنا سبحانه، قال تعالى: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» رواه الشيخان.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران: 181].
وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64].
وقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 88 – 95].
ولم يسلم الأنبياء من أذية الخلق، قال تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: 43].
قال الإمام الشافعي: “اعلم أنه ليس إلى السلامة من الناس سبيل”.
قال ابن دُرَيْدٍ الأزدي:
وَما أَحَدٌ مِن أَلسُنِ الناسِ سالِما ***وَلَو أَنَّهُ ذاكَ النَبِيُّ المُطَهَّرُ
فَإِن كانَ مِقداماً يَقولونَ أَهوَجُ** وَإِن كانَ مِحْجاما يَقولونَ مُحْذِرُ
وَإِن كانَ سِكّيتاً يَقولونَ أَبكَم**وَإِن كانَ مِنطيقاً يَقولونَ مِهذَرُ
وَإِن كانَ صَوّاماً وَبِاللَيلِ قائِماً**يَقولونَ زَوَّارٌ يُرائي وَيَمكُرُ
فَلا تَحتَفِل بِالناسِ في الذَمِّ وَالثَنا**وَلا تَخشَ غَيرَ اللَهِ فَاللَهُ أَكبَرُ
ومن الدروس: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
فهؤلاء الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات توعدهم الله تعالى بالعذاب العظيم.
﴿له عذاب عظيم﴾ في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما.
وحق المخلوق لا يتركه الله تعالى، فإما أن يعفو المخلوق عن حقِّه في الدنيا أو الآخرة, وإما أن يرضي الله ذلك المظلوم يوم القيامة حتى يعفو عمن ظلمه, وإما أن يقع القصاص.
ومن الدروس: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: 12].
هذا أدب رفيع من آداب القرآن الكريم.
قال ابن جزي في التسهيل: “والمعنى أنه: كان ينبغي للمؤمنين والمؤمنات أن يقيسوا ذلك الأمر على أنفسهم، فإن كان ذلك يبعد في حقهم، فهو في حق عائشة أبعد لفضلها” [التسهيل لعلوم التنزيل: 2/ 63].
وسبب نزولها: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الأنصاري قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ أَيُّوبَ: يَا أَبَا أَيُّوبَ، أَمَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ الْكَذِبُ. أكنتِ فَاعِلَةً ذَلِكَ يَا أُمَّ أَيُّوبَ؟ قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ مَا كنتُ لِأَفْعَلَهُ. قَالَ: فَعَائِشَةُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْكِ.
أي أدب هذا! ما أعظم تعاليمَ ربنا!
فكما أنك تحسن الظن بنفسك ولا تتهمها فأحسن الظنَّ بإخوانك، ولا تتهم أحداً إلا ببيِّنة.
وهذا المعنى أكَّد عليه النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من أحاديثه، منها حديث أبي الْمُنْتَفِقِ، قَالَ: أَتَيْتُ مَكَّةَ فَسَأَلْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا بِعَرَفَةَ فَأَتَيْتُهُ فَذَهَبْتُ أَدْنُو مِنْهُ حَتَّى اجْتَازَ عُنُقُ رَاحِلَتِي عُنُقَ رَاحِلَتِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلِّمْنِي بِمَا يُنَجِّينِي مِنْ عَذَابِ اللهِ وَيُدْخِلُنِي جَنَّتَهُ، فَقَالَ: «اعْبُدِ اللهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَأَدِّ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَحِجَّ وَاعْتَمِرْ، وَصُمْ رَمَضَانَ، وَانْظُرْ مَا تُحِبُّ لِلنَّاسِ أَنْ يَأْتُوهُ إِلَيْكَ فَافْعَلْهُ بِهِمْ، وَمَا تَكْرَهُ أَنْ يَأْتُوهُ إِلَيْكَ فَذَرْهُمْ مِنْهُ» رواه الطبراني في الكبير.
ومن نصوص النهي عن إساءة الظنِّ بالمؤمنين قولُه صلى الله عليه وسلم: «إيَّاكم والظَّنَّ؛ فإنَّ الظَّنَّ أكذَبُ الحديثِ».
قال النَّوَويُّ رحمه الله: “المرادُ: النَّهيُ عن ظَنِّ السُّوءِ” [شرح النووي على مسلم: 16/ 119].
مرض الإمام الشافعي رحمه الله، فأتاه بعضُ إخوانه يعُودُه، فقال للشافعي: قوَّى اللهُ ضعْفَكَ، فقال الشافعي: لو قوَّى ضعفي لقتلني، قال: والله ما أردْتُ إلَّا الخير، فقال الشافعي: أعلم أنك لو سبَبْتَني ما أردْتَ إلا الخير.
ومن الدروس: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
قال القرطبي رحمه الله: “وقَدْ يَعْجَزُ الرَّجُلُ عَنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَهُوَ صَادِقٌ فِي قَذْفِهِ، وَلَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ وَظَاهِرِ الْأَمْرِ كَاذِبٌ لَا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ سُبْحَانُهُ إِنَّمَا رَتَّبَ الْحُدُودَ عَلَى حُكْمِهِ الَّذِي شَرَعَهُ فِي الدُّنْيَا لَا عَلَى مُقْتَضَى عِلْمِهِ” [تفسير القرطبي: 12/ 203].
وقال السعدي رحمه الله: “وإن كانوا في أنفسهم قد تيقنوا ذلك؛ فإنهم كاذبون في حكم الله؛ لأنه حرم عليهم التكلم بذلك من دون أربعة شهود، ولهذا قال: ﴿فَأُولَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، ولم يقل: فأولئك هم الكاذبون، وهذا كله من تعظيم حرمة عرض المسلم؛ بحيث لا يجوز الإقدام على رميه من دون نصاب الشهادة بالصدق” [تيسير الكريم الرحمن، ص: 563].
ولهذا لو ذهب أربعة إلى القاضي وشهد ثلاثة منهم أنهم رأوا فلانا يزني ورأوا فرجه في فرجها ولم يشهد الرابع فالواجب أن يقيم حد القذف على الثلاثة وهذا مما لا خلاف فيه.
وشهود الزنا يجب أن تتوفر فيهم سبعة شروط هي:
1/ كونهم أربعة،
2/ وكونهم رجالا،
3/ وكونهم أحرارا،
4/ وكونهم عدولا،
5/ وكونهم مسلمين،
6/ وأن يصفوا الزنا فيقولوا: رأينا فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة أو كالرشا في البئر،
7/ وأن يجيء الشهود كلُّهم في مجلسٍ واحد [ينظر: المغني لابن قدامة: 6/ 65].
ومن الدروس: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}.
أي: وتظنون أن ذلك سهل هين، وهو عند الله عظيم، لما فيه من الكذب ورمي بريء.
وهذا تحذيرٌ من التهاون في الوقوع في الذنوب.
وهذه عقوبات القذف التي ذكرها الله في سورة النور:
1- أن يجلد ثمانين جلدة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ [النور: 4].
روى أبو داود في سننه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: “لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي، قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَاكَ وَتَلَا تَعْنِي الْقُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ مِنَ الْمِنْبَرِ أَمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَةِ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ”
2- أن ترد شهادته دائمًا إلا إذا تاب وأصلح لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون (4) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ [النور: 4-5].
3- أن يكون من الفاسقين، قال تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾.
4- يكون عند الله من الكاذبين، لقوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:7].
5- أنه ملعون في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا﴾ [النور: 23].
6- أن له عذابًا عظيمًا ادخره الله له يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23].
7- تشهد عليه جوارحه زيادة في الخزي، والعار على رؤوس الأشهاد، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ [النور: 24].
8- إن الله تعالى يوفيهم جزاء فعلهم، ويجزيهم حساب عملهم من القدر المستحق من أنواع العذاب في نار جهنم لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِين﴾ [النور:25].
ومن الدروس: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
أي: وهلا قلتم عند سماعكم إياه: ما يَحِلُّ لنا الكلام بهذا الكذب، تنزيهًا لك يارب مِن قول ذلك على زوجة رسولك صلى الله عليه وسلم.
﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
يذكِّركم الله وينهاكم أن تعودوا أبدًا لمثل هذا الفعل من الاتهام الكاذب، إن كنتم مؤمنين به.
﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
ويبين الله لكم الآيات المشتملة على الأحكام الشرعية والمواعظ، والله عليم بأفعالكم، حكيم في شرعه وتدبيره.
رب صل وسلم على نبينا محمد.


