مقالات

تطمئن القلوب

بسم الله الرحمن الرحيم

تطمئن القلوب

07 ربيع الآخر 1448  الموافق: 18 / 9 /  2026

   مهران ماهر عثمان- مسجد السلام بالطائف مربع (22)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، أما بعد؛

فإنَّ من أجلِّ نعم الله تعالى أن يحافظ المسلم على طمأنينة قلبه، وسكينة نفسه، في ساعات الشدة التي تزيغ فيها القلوب، وتضطرب النفوس.

ونحن في بلاد يعيش الناس فيها ظروفاً قاسيةً، قد جُمع لأهلها بين أنواعٍ من الابتلاءات؛ من حربٍ، وتكالبٍ دوليٍّ، وغلاءٍ فاحش، وفسادِ وفشلِ مسؤولين فيها، وغير ذلك من البلايا.

فمن الأهمية بمكانٍ في مثل هذه الظروف أن يحافظ المسلم على طمأنينة قلبه وسكينة نفسه.

 

ومما يبين أهمية الطمأنينة أن الله تعالى امتن بها على عباده في مواضع من كتابه.

قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40].

وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4]. وهذا في صلح الحديبية.

وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18].

وقال: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾  [الفتح: 26]. وهذا في صلح الحديبية.

وقال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 25، 26].

 

فكيف ينال الإنسان هذه الطمأنينة والسكينة؟

بإدامة ذكر الله تعالى في الأحوال كلِّها.

تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

أي: تسكن عن القلق والاضطراب، وتستأنس وتسعد بذكره.

ولهذا أمر الله تعالى به في أشد المواقف وأحرج الساعات.

فأمر الله تعالى بذكره عند لقاء العدو في ساعات القتال، هذه الساعة التي تزيغ فيها الأبصار، وتبلغ القلوب الحناجر، أمر الله فيها بذكره؛ لما له من تأثير كبير في تحقيق السكينة.

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45].

قال ابن القيم رحمه الله: “وَسَمِعْتُهُ –يريد ابن تيمية- يَقُولُ: الْمُحِبُّونَ يَفْتَخِرُونَ بِذِكْرِ مَنْ يُحِبُّونَهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ، كَمَا قَالَ عَنْتَرَةُ:

وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ وَالرِّمَاحُ نواهلٌ … مني وبيض الهند تقطُر من دمي”.

… وَهَذَا كَثِيرٌ فِي أَشْعَارِهِمْ … وهذا دليل على صدق المحبة” [مدارج السالكين: 2/ 399].

وقال في الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 48)

“وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة.

وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، فهي معي لا تفارقني، إنَّ حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.

وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلتُ ملءَ هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكرَ هذه النعمة.

وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه.

ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: ﴿فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب﴾، وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل كان على ضدِّها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرِّهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه.

وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كلُّه وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة.

فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من رَوْحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها.

وكان بعض العارفين يقول: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف.

وقال آخر: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها؟ قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله تعالى ومعرفته وذكره، أو نحو هذا.

وقال آخر: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طرباً.

وقال آخر: إنه لتمر بي أوقات أقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب”.

 

ومن ذكر الله: الدعاء.

وقد ندب إليه النبي صلى الله عليه وسلم عند الابتلاء والضيق؛ لما له من أثر في تحقيق الطمأنينة وذهاب الخوف من القلوب.

فعن سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» رواه الترمذي.

وقد قال بعض السلف:  “عجبت لمن اغتم ولم يفزع إلى قول الله تعالى: ﴿أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾، فإنِّي وجدت الله يعقُبُها بقوله: ﴿فاستجبنا له ونجيناه من الغمِّ وكذلك ننجي المؤمنين﴾، فهي ليست لنبي الله يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولكنها للمؤمنين في كل زمان ومكان إذا ذكروا الله بهذا الذكر المبارك: ﴿وكذلك ننجي المؤمنين﴾”.

وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْت» رواه أحمد.

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ: «لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ» متفق عليه.

وعَنْ عَبْدِ الله بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا»، قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: «بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا» رواه أحمد.

وقد قال ربنا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

والمعنى: أعبادة ما تشركون بالله خير أم الذي يجيب المكروب إذا دعاه، ويكشف السوء النازل به.

 

ومن ذكر الله: الاستغفار.

فقد وعد الله تعالى المستغفرين بالمتاع الحسن في قوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: 3].

قال البغوي رحمه الله: “قَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَيْشُ الْحَسَنُ هُوَ الرِّضَا بِالْمَيْسُورِ، وَالصَّبْرُ عَلَى الْمَقْدُورِ. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إِلَى حِينِ الْمَوْتِ” [معالم التنزيل: 4/ 160].

وفي سنن أبي داود، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ».

وقد أخبرني أحد إخواني: أنه إذا نزل به كرب جلس، واستغفر بقلب حاضر، فأخذ يقول بتؤدة وتمهّلٍ: أستغفر الله، قال: فلا أقوم إلا وقد تغيَّر حالي وانشرح صدري.

 

ومن ذكر الله: تلاوة القرآن الكريم.

وأكثر ما يأتي بالسكينة وراحةِ القلب: قراءة كلام الله تعالى.

ثبت عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه أنه قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ، وَإِلَى جَانِبِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالقُرْآنِ».

وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ».

فكلما ضاق الحال فأسرع إلى كتاب الله، واعكُف عليه، واستزد منه، فإن الخير كلَّه في الإقبال عليه.

قال ابن القيم رحمه الله: “وَقَدْ ذَكَرَ الله سُبْحَانَهُ السَّكِينَةَ فِي كِتَابِهِ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ:

الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 248].

الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 26].

الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا فَأَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: 40].

الرَّابِعُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ الله عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 4].

الْخَامِسُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18].

السَّادِسُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 26]. الْآيَةَ.

وَكَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله إِذَا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ: قَرَأَ آيَاتَ السَّكِينَةِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي وَاقِعَةٍ عَظِيمَةٍ جَرَتْ لَهُ فِي مَرَضِهِ، تَعْجِزُ الْعُقُولُ عَنْ حَمْلِهَا -مِنْ مُحَارَبَةِ أَرْوَاحٍ شَيْطَانِيَّةٍ، ظَهَرَتْ لَهُ إِذْ ذَاكَ فِي حَالِ ضَعْفِ الْقُوَّةِ- قَالَ: فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيَّ الْأَمْرُ، قُلْتُ لِأَقَارِبِي وَمَنْ حَوْلِيَ: اقْرَءُوا آيَاتِ السَّكِينَةِ، قَالَ: ثُمَّ أَقْلَعَ عَنِّي ذَلِكَ الْحَالُ، وَجَلَسْتُ وَمَا بِي قَلْبَةٌ.

وَقَدْ جَرَّبْتُ أَنَا أَيْضًا قِرَاءَةَ هَذِهِ الْآيَاتِ عِنْدَ اضْطِرَابِ الْقَلْبِ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ. فَرَأَيْتُ لَهَا تَأْثِيرًا عَظِيمًا فِي سُكُونِهِ وَطُمَأْنِينَتِهِ. وَأَصْلُ السَّكِينَةِ هِيَ الطُّمَأْنِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَالسُّكُونُ الَّذِي يُنْزِلُهُ الله فِي قَلْبِ عَبْدِهِ، عِنْدَ اضْطِرَابِهِ مِنْ شِدَّةِ الْمَخَاوِفِ. فَلَا يَنْزَعِجُ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ. وَيُوجِبُ لَهُ زِيَادَةُ الْإِيمَانِ، وَقُوَّةَ الْيَقِينِ وَالثَّبَاتِ” [مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين: 2/ 470- 471].

 

ومن ذكر الله: الصلاة.

قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. أي: لتذكرني فيها.

وأمر الله بالاستعانة بها في الأحوال كلها لما لها من أثر في تحقيق اتزان النفس وراحة البال وطمأنينة القلب.

قال ربنا: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45].

وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].

والمعنى: أن يُستعان بهما في كل شأن، ومن ذلك رفع البلاء وإزالة الوحشة والهمّ.

وقد ثبت عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قالَ: “كانَ النَّبيُّ صلَّى الله عليْهِ وسلَّمَ إذا حزبَهُ أمرٌ صلَّى” رواه أبو داود.

وحَزَبَه: أحْزَنَه.

وقد نُعي إلى ابن عباس أخوه قُثَمُ رضي الله عنهم، وكان قادماً من سفر إلى المدينة، فنزل من بعيره وصلى، وقرأ هذه الآية: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾” [جامع البيان في تأويل القرآن للإمام الطبري: 1/ 14].

 

وأختم بثلاثة أقوال لسلفنا وعلمائنا في السكينة:

قال ابن مسعود رضي الله عنه: “السَّكينةُ مَغنَمٌ وتَرْكُها مَغْرَمٌ” رواه أبو داود في الزهد.

وقال أبو إدريسَ الخَوْلانيُّ رحمه الله: “ما تقَلَّد امرؤٌ قِلادةً أفضَلَ من سكينةٍ” رواه أبو نعيم في الحلية.

وقال عبدُ الرَّحمنِ السِّعديُّ رحمه الله: “السَّكينةُ من تمامِ نِعمةِ اللهِ على العبدِ في أوقاتِ الشَّدائِدِ والمخاوِفِ التي تطيشُ بها الأفئدةُ، وأنَّها تكونُ على حَسَبِ معرفةِ العَبدِ برَبِّه، وثِقَتِه بوَعدِه الصَّادقِ، وبحَسَبِ إيمانِه وشجاعتِه” [تيسير الكريم الرحمن، ص: 337].

رب صل وسلم على نبينا محمد.

شارك المحتوى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *