
الاتفاق بين البرهان والحلو
بسم الله الرحمن الرحيم
الاتفاق بين البرهان والحلو
خطبة 2 أبريل 2021م
مهران ماهر عثمان
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
فقد سبقت خطب عديدية عن العالمانية وشبهات أهلها وأن الحكم لله.
لكن يتعين علينا –معاشر الخطباء- أن تكون خطبتنا هذه عنها، بسبب الاتفاق الذي وقع بين البرهان والحلو.
ومحاور خطبتي هذه:
- رسالتان في بريد البرهان.
- تعريف العالمانية.
- ملخص بيان الهيئات العلمائية حول هذا الاتفاق.
رسالة في بريد البرهان
ليحذر البرهان من آية وأثر له حكم المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما الآية، فقول ربنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]، ولا ريب أن هذا الاتفاق خيانة لله.
وأما الأثر: فقد رواه البيهقي في السنن الكبرى، عن ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قال: “القَتلُ في سَبيلِ اللهِ يُكَفِّرُ كُلَّ ذَنبٍ إلَّا الأمانَةَ، يُؤتَى بصاحِبِها وإِن كان قُتِلَ في سَبيلِ اللهِ، فيُقالَ له: أدِّ أَمانَتَكَ. فيَقولُ: رَبِّ ذَهَبَتِ الدُّنيا، فمِن أينَ أُؤَدّيها؟ فيَقولُ: اذهَبوا به إلَى الهاويَةِ. حَتَّى إذا أُتِى به إلَى قَرارِ الهاويَةِ، مَثُلَت له أمانَتُه كَيَومِ دُفِعَت إلَيه، فيَحمِلُها على رَقَبَتِه يَصعَدُ بها في النّارِ، حَتَّى إذا رأى أنَّه خَرَج مِنها، هَوَت وهَوَى في أثَرِها أبَدَ الآبِدينَ. وقَرأ عبدُ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]. فهذا أثر موقوف لا يقال عن رأي واجتهاد فله حكم المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالتوقيع على اتفاق ينص على أن تكون الدولة علمانية خيانة لله ولرسوله ولدينه وللمؤمنين، هذه كلمة حق يجب علي أن أبدأ بها خطبتي هذه.
تعريف العالمانية
بمطالعة القواميس نجد أن معنى كلمة العالمانية (SECULARISM) في قاموس:
كامبريدج Cambridge “الاعتقاد بأن الدين يجب ألا يتدخل في الأنشطة الاجتماعية والسياسية لأي بلد”.
وفي قاموس WordNet “عقيدة ترفض الدين والاعتبارات الدينية”.
بيان الهيئات العلمائية العالمية في الاتفاق الذي تم
صدر هذا البيان في يوم الثلاثاء 30 مارس 2021م. وهذه أسماء الروابط العلمائية التي وقعت عليه:
1- رابطة علماء المسلمين .
2- هيئة علماء ليبيا .
3- رابطة علماء المغرب العربي
4- رابطة علماء إرتريا
5- هيئة علماء فلسطين
6- رابطة علماء أهل السنة بالعراق
7- ملتقى دعاة فلسطين
8- الهيئة الدائمة لنصرة القدس وفلسطين في لبنان
9- رابطة علماء فلسطين في لبنان
10- رابطة علماء السوريين
11- التجمع الإسلامي في السنغال
12- ملتقى علماء فلسطين
13- هيئة علماء لبنان
“الحمد لله القائل: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]. والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ القائل : «إنَّ الله هو الحكم، وإليه الحكم» رواه أبو داود.
أما بعد:
فإنّ مما يُروَّجُ له اليوم بقوةٍ وكثافة أكثر من أي وقت مضى؛ مبدأ العلمانية، بل وصل الحال إلى مرحلة فرضها بالقوة على الناس. ومن آخر ذلك توقيع الحكومة السودانية رسمياً على اتفاقية إعلان المبادئ والذي ينص صراحة على علمانية الدولة السودانية، وحياديتها في القضايا الدينية، وكفالة حرية المعتقدات وألا تتبنّى الدولة أي ديانة لتكون رسمية في البلاد.
وإزاء هذا التطور والتسارع المشبوه الذي يتهدد هُوية المسلمين في السودان يتوجه علماء الأمة ببيان جملةٍ من الأمور إعذاراً إلى الله وإنذارًا للخلق:
أولاً:
إنّ من أعظم محكمات الدّين وأصول الإيمان التسليمَ والخضوع (علماً وعملاً) لشريعة الإسلام، وعدم تقديم غيرها من النُّظم والتشريعات على كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:1]. فالإقرار بهيمنة الشريعة وحاكميتها وتقديمها والقبول بها قولاً وعملاً دون أي شرط أو استثناء هو قاعدة الإيمان وأصله كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء: 65].
ثانياً:
إنّ إقامة دنيا الناس تبعٌ لإقامة دينهم، فلا يجوز أن يُضحِّي الحاكم بدِين الناس من أجل إقامة دنياهم([1])، فالغاية التي من أجلها خلق الله الثقلين هي عبادته وإقامة دينه؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
وأي اتفاق يقوم على إقرار مبدأ العلمانية وتنحية الإسلام وشرائعه وأحكامه إنّما هو في حقيقته خضوعٌ لأعداء الله وحربٌ مع الله، ومن ارتضاه فقد حبِط عملُه وهو في الآخرة من الخاسرين، ليس له في الإسلام من نصيب، وإِنْ صَلَّى وصام وزعم أنَّه من المسلمين؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:8-9]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 25-28].
ولمّا كان دعاة العلمانية كارهين لما نزّل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنّ كل من قال لهم: سنطيعكم في بعض الأمر، فهو داخل في وعيد الآية، فالحذر كل الحذر من الدخول في الذين قالوا: “سنطيعكم في بعض الأمر”.
يقول شيخ الأزهر الراحل محمد الخضر حسين رحمه الله: “فصل الدين عن السياسة هدم لمعظم حقائق الدين ولا يُقْدِم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين”.
ثالثاً:
مبدأ التّمرد على الدين والكنيسة الذي وقع في أوروبا؛ والذي تطور وأصبح هو (العلمانية) كان لأسباب معينة؛ دينٍ محرف في شرائعه وأحكامه ترتب عليه استغلالُ ذلك التحريف بتقديس رجال الكنيسة ومنحهم السلطة المطلقة. وهذا السبب غيرُ موجود في دين الإسلام أو في شرع الله أو في كتاب الله أو في سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن عجائب الدّهر بعد هذا البون الشاسع بين الإسلام دين الله الحق والنصرانية المحرفة أن تنتقل تلك الفكرة الخبيثة بحذافيرها إلى بلاد الإسلام، وأن يُحكم على الدين الإسلامي كما حكمت أوروبا على النصرانية المحرفة الجائرة، ويُعلن الحرب على الإسلام وشرائعه وأحكامه، حتى يعتبر الإسلام هو العائق دون النهوض، وأنه سبب الفقر والبطالة والحروب والفوضى، بل ويرمونه بالوحشية والإرهاب؛ أملاً منهم في نبذ أهله له؛ وتخلصهم منه؛ ولكن هيهات هيهات؛ ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾. “[ التوبة ٣٢].
وأخيرا نوجز ختام هذا البيان بنصيحتين:
الأولى:
نصيحةٌ خالصةٌ نتوجه بها لمجلس الحكم الانتقالي في السودان أن يراجعوا أنفسهم وينظروا في عواقب ما يقدمون عليه من الاتفاقيات، خصوصاً ما يسمى باتفاق إعلان المبادئ الذي يرسخ لعلمانية الدولة السودانية، وليعلموا أنّهم بهذه الاتفاقية إنّما اختاروا حكم الجاهلية وفضلوه على حكم الله، والله تعالى يقول: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].
فالإسلام هو دين الاستسلام والانقياد والخضوع والطاعة لله وحده لا شريك له، وهو الأصل في غالب الشعب السوداني وسواده الأعظم وما عداهم قلةٌ قليلة، وشعب السودان المسلم يرفض العلمانية بكل صورها، بل يرفض ذرائعها ووسائلها، ومن ثم فمبدأ العلمانية: “دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله” مرفوض في وطنٍ هُوية أهله “لا إله إلا الله”.
وليعلم مجلس الحكم الانتقالي أنّ للعلمانية إفرازاتٍ خطيرةً، فهي أكبر وأخطر مهدِّد للسلم والأمن في المجتمعات، وما يَحصُلُ بين النّاس مِنِ اختِلالٍ وَزَعزَعَةٍ وَخَوفٍ وَشَرٍّ سببه هو استحلال ما حرّم الله من الفَوَاحِشِ وَالمُنكَرَاتِ والبغي والظُّلمِ بدعوى العلمانية([2])، وَلا تَسقَطُ المُجتَمَعَاتُ وَلا تَنهَارُ الحَضَارَاتُ، إِلاَّ بِظُهُورِ الفَوَاحِشِ وَالمُنكَرَاتِ والبغي والظُّلمِ.
الثانية:
نصيحةٌ لكلِّ العقلاء في السودان؛ علماء؛ وإعلاميين؛ ومفكرين وسياسيين؛ أن يقفوا صفاً واحداً؛ لإسقاطِ سائرِ البنودِ المتعلقةِ بالعَلمانيةِ وفصلِ الدين عن الدولة؛ ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]. فالتساهل مع هذا الخطب الجلل وترك مواجهته سيفضي لفوضى عارمة ربّما انفرط معها أمن البلاد وأمان العباد ومهدت المناخ لتقسيم السودان الذي نؤكد على وجوب المحافظة على هويته الإسلامية وأمنه ووحدة أراضيه.
حفظ الله السودان وأهلها من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، والحمد لله رب العالمين” انتهي البيان.
ربِّ صلِّ وسلِّم على نبينا محمد.
[1] / هذا لو سلمنا أنَّ هناك دنيا في هذه البلاد!! ضاعت سنتان من أعمار أولادنا في الجامعات! الأمن مفقود، الغاز معدوم، الكهرباء تقطع لساعات طويلة! غلاء فاحش لا مثيل له، قبل أيام وقعت أزمة حادة في الاكسجين والبندول الدرب، انعدام لبعض الأدوية المنقذة للحياة!! غلاء لا يطاق في أسعار الأدوية، الأموكلان على سبيل المثال من 800 إلى 2700ج!! لو جاءت العلمانية بالدنيا بأبهى ما فيها لكان اختيارها سفها، بكيف بحالنا الآن؟ أحشفاً وسوء كيلة!!
[2] / ففي الحديث: «وما لم تحكم أئمتهم بما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» رواه ابن ماجه.

