مقالات

الحياء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحياء

مهران ماهر عثمان

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

فقد دعا الإسلام إلى أخلاق فاضلة، وآداب سامية، تسمو بالإنسان وتُزكِّي روحه، ومن جملة هذه الأخلاق: خلق الحياء.

 

تعريف الحياء

خلق حميد يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق([1]).

 

فضائل الحياء

للحياء فضائل عديدة، دلت سنة نبينا صلى الله عليه وسلم عليها، فمن ذلك:

أنه خيرٌ كلُّه.

فعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحياء لا يأتي إلا بخير» رواه الشيخان.

وقال: «الحياء كله خير» رواه مسلم.

وهو من الأخلاق التي يحبها الله.

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله حيي سِتِّير يحب الستر والحياء» رواه أبو داود.

والحياء من الإيمان

فكلما ازداد منه صاحبه ازداد إيمانه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» رواه الشيخان.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعه فإن الحياء من الإيمان» رواه الشيخان.

ومعنى يعظه في الحياء أنه كان حيياً، فأشار إليه أخوه بأن يقلل من حيائه.

والحياء خلق الإسلام.

لقول سيِّد الأنام عليه الصلاة والسلام: «إنَّ لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء» رواه ابن ماجه.

والمعنى: لكل أهل ملة سجية يعرفون بها، والمسلمون يُعرفون بالحياء؛ لما في دينهم من التأكيد الشديد على التخلق به.

والحياء يحمل على الاستقامة على الطاعة.

وعلى ترك المعصية ونبذ طريقها، وهل أدل على ذلك من قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فافعل ما شئت» رواه البخاري.

وإنَّ من أعظم فضائله أنه يفضي بأصحابه إلى جنة عرضها السماوات والأرض.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار» رواه الترمذي.

والبذاء ضد الحياء، فهو جرأة في فُحشٍ، والجفاء ضد البر.

 

الله أحق أن يستحيا منه

إن أحق من يُستحى منه الله تعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فالله أحق أن يُستحيا منه» رواه أبو داود.

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الحياء من الله، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استحيوا من الله حق الحياء». قلنا: يا نبي الله إنا لنستحي والحمد لله. قال: «ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» رواه الترمذي.

وهذا الحديث دليل على ما سبق ذكره؛ من أن الحياء يصد عن قبيح الفعال وذميم الصفات.

الحياء والجبن.

ليس من الحياء أن يسكت الإنسان على الباطل، ليس منه أن تُعَطل شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا جبن وخور وضعف، وليس من الحياء في شيء، قال النووي رحمه الله: “وأما كون الحياء خيراً  كله ولا يأتي إلا بخير فقد يُشكل على بعض الناس من حيث إن صاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق من يجلُّه، فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق، وغير ذلك مما هو معروف في العادة. وجواب هذا ما أجاب به جماعة من الأئمة؛ منهم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: أن هذا المانع الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وخور ومهانة، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازاً لمشابهته الحياء”([2]).

ولذا مما تنزه الله عنه الاستحياء من الحق مع أنه موصوف بالحياء كما سيأتي، قال تعالى:  ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: 26].

وسبب نزولها: أن المنافقين لما ضرب الله مثلهم ﴿}كمثل الذي استوقد ناراً﴾، وقوله: ﴿أو كصيب من السماء﴾، قالوا: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال! فأنزل الله الآية([3]).

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: 53].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يستحيي من الحق» رواه الترمذي.

 

ولا ينبغي أن يمنع الحياء من السؤال عن أمور الدين

فالحياء يبعث على الخير ولا يصد عنه، وقد مدحت عائشة رضي الله عنها نساء الأنصار بقولها: “رحم الله نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين” رواه مسلم.

وجاء إليها أبو موسى الأشعري رضي الله عنه فقال: يَا أُمَّاهْ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ وَإِنِّي أَسْتَحْيِيكِ؟ فَقَالَتْ: لَا تَسْتَحْيِي أَنْ تَسْأَلَنِي عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أُمَّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ. قُلْتُ: فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ؟ قَالَتْ عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» رواه مسلم.

وجاءت أم سُليم رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قائلةً: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ» أخرجه الشيخان.

فإذا لم يقدر الإنسان على السؤال لعذر يقتضي الحياء فعليه أن يُرسل من يسأل له، أو يهاتف الشيخ، أو يراسله، فقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ” كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم؛ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» أخرجه الشيخان.

فاحذر – رعاك الله – من أن يصدك الشيطان عن سبيل العلم وسؤال أهله بإيهامك أن هذا من الحياء، واجعل قول مجاهد رحمه الله منك على بال: “اثنان لا يتعلمان: حيي ومستكبر”.

 

الحياء من صفات الله تعالى، ومن صفات الملائكة والصالحين.

إنَّ الحياء صفة من صفات الله رب العالمين، والملائكة والمرسلين، وصالح المؤمنين، فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم  ربَّه بذلك فقال: «إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً خائبتين» رواه أبو داود.

وكل صفة وصف الله بها نفسَه وقامت الأدلة على وصف العباد بها فلا تظنن أن ذلك يعني مشابهة الله لخلقه – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً – قال تعالى:﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، فالفرق بين صفاتنا وصفاته كالفرق بين ذاتنا وذاته.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم في عثمان رضي الله عنه: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة»، دليل على اتصاف الملائكة به.

وهو خلق الأنبياء، فقد قال خاتمهم صلى الله عليه وسلم: «أربع من سنن المرسلين:  الحياء، والتعطر، والسواك، والنكاح» رواه الترمذي.

وقال أبو سعيد رضي الله عنه ينعت نبينا صلى الله عليه وسلم: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها”أخرجه الشيخان.

وهو خلق المؤمنين الصادقين، فهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه يُذكِّر النبي صلى الله عليه وسلم  الأمةَ بمناقبه فيقول: «وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ» رواه الترمذي.

ويسأل النبي صلى الله عليه وسلم  أصحابه – وفيهم ابن عمر -: «إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ»؟ قال ابن عمر: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ» أخرجه الشيخان.

 

والحياء من الأخلاق التي كانت تُعرف في الجاهلية.

فإن أبا سفيان لما كان على الإشراك سأله هرقل أسئلة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انتهى الكلام بينهما قال أبو سفيان: “والله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذباً لكذبت” رواه البخاري.

وفي غزوة حنين تبع أبو موسى الأشعري أحد الكفار فولى هارباً، فقال له أبو موسى رضي الله عنه: “ألا تستحي؟! ألست عربياً؟! ألا تثبت؟!” فوقف وتقالا فقتله أبو موسى. رواه مسلم.

 

من وأولى الناس بخلق الحياء؟

النساء، وقد خلَّد القرآن الكريم ذكر امرأة من أهل هذا الخلق، قال الله عنها: ﴿فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 25].

فهذه الآية تدل على حياء تلك المرأة من ثلاثة أوجه:

الأول: جاءت إليه تمشي على استحياء بلا تبذل، ولا تبجح، ولا إغواء.

الثاني: كلماتها التي خاطبت بها موسى عليه السلام، إذ أبانت مرادها بعبارة قصيرة واضحة في مدلولها، من غير أن تسترسل في الحديث والحوار معه وهذا من إيحاء الفطر النظيفة السليمة والنفوس المستقيمة.

الثالث: أسندت الدعوة إلى أبيها؛ لئلا يُظن بها سوءاً.

ولا يدري من وقف على أحداث هذه القصة التي جرت لنبي الله وكليمه موسى عليه السلام أيعجب من حياء المرأة أم من حيائه عليه السلام؛ فقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “جاءتْ واضعةً يدَها على وجهها، فقام معها موسى وقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق وأنا أمشي أمامك فإنا لا ننظر في أدبار النساء” رواه الحاكم.

وإن تعجب من هذه المرأة فعجب أمر فاطمة رضي الله عنها التي حملها الحياء على أن تقول لأسماء بنت أبي بكر:  يا أسماء إني قد استقبحت ما يُصنع بالنساء؛ أنه يُطرح على المرأة الثوب فيصفها. فقالت أسماء: يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم  ألا أريكِ شيئاً رأيته بأرض الحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوباً، فقالت فاطمة رضي الله عنها: ما أحسن هذا وأجمله، يُعرف به الرجل من المرأة، فإذا أنا مت  فاغسليني أنت وعلي  ولا تدخلي علي أحداً. فلما توفيت جاءت عائشة تدخل فقالت أسماء: لا تدخلي. فشكت لأبي بكر فقالت: إن هذه الخثعمية تحول بيني وبين ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جعلت لها مثل هودج العروس! فجاء أبو بكر فوقف على الباب وقال: يا أسماء ما حملك على أن منعت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يدخلن على ابنته، وجعلت لها مثل هودج العروس؟ فقالت: أمرتني أن لا أدخل عليها أحداً وأريتها هذا الذي صنعت وهي حية فأمرتني أن أصنع ذلك لها. فقال أبو بكر: فاصنعي ما أمرتك. ثم انصرف، وغسلها علي وأسماء رضي الله عنهما. رواه البيهقي.

لله درها! ما أكمل حياءها!! وليس هذا مما يُستغرب منها فهي من قد عرفنا.

 

آثار غياب الحياء.

إن لغياب الحياء عن ساحاتنا لمظاهرَ وخيمةً، وإن من أقبحها سيادة الفحش والعري والتفسخ.

ومما وُصف به نبي الله موسى عليه السلام أنه «كان رجلاً حيياً ستيراً  لا يُرى من جلده شيء؛ استحياءً منه» رواه البخاري.

والنبي صلى الله عليه وسلم لما دخل عليه عثمان وكان بعضُ فخذيه بادياً سوَّى ثيابه كما في مسلم.

ومن آثار غيابه: فشو المنكرات، والمجاهرة بالموبقات، وانتشار الألفاظ القبيحة.

إن الحياء خلق رفيع لا يكون إلا عند من ونَبُل خلقه..

إذا قلَّ ماءُ الوجْهِ قلَّ حياؤه   ولا خير في وجه إذا قلَّ ماؤه

حياءَك فاحفظه عليـك فإنما   يدل على وجه الكريم حياؤه

اللهم حبب إلينا هذا الخلق وزينه في نفوسنا، اللهم آت نفوسنا تقواها.

رب صل وسلم على نبينا محمد.

 

 

[1] / شرح النووي على صحيح مسلم: (2/ 6).

[2] / شرح النووي على صحيح مسلم : 2/5 .

[3] / تفسير الطبري : 1/177 .

شارك المحتوى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *