
أزمة أخلاق وضمير!!
بسم الله الرحمن الرحيم
أزمة أخلاق وضمير!!
مهران ماهر عثمان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد؛
فمما لا ينبغي أن يشك فيه: أنَّ أزمتنا أزمة أخلاق! وما من أزمة يعاني منها مجتمعنا إلا وفي ديننا حلُّ إشكالها لمن طلب ذلك، فالأزمة الحقيقية في الابتعاد عن الدين.
ومما يبين ذلك ما يلي:
- ضياع الأمانة، ولو التزم كل مسؤول جانب الأمانة –وهي أساس الأخلاق الفاضلة- لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ» رواه أحمد.
- حكام يشقون على رعيتهم! وحال الناس اليوم يغني عن السؤال! ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ» رواه مسلم.
- لا يستطيع الناس في كثير من الأحايين من الانتهاء من إجراءاتهم إلا ببذل الرشوة! وديننا ينص على أن من فعل ذلك فهو ملعون مطرود من رحمة الله.
- ما أكثر التلاعب بالمال العام، وأخلاق الإسلام تمنع من ذلك وتتوعد أصحاب هذه الجريرة بالنار.
- تأمر أخلاقنا الصغير بتوقير الكبير واحترامه! فأين هذا من فعل كثير من الشباب هذه الأيام! ففي الصحيحين، انْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ، وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ: «كَبِّرْ كَبِّرْ» وَهُوَ أَحْدَثُ القَوْمِ، فَسَكَتَ فَتَكَلَّمَا.
- هل أدل على أن أزمتنا أزمة أخلاق من هذه الاعتداءات التي نسمع بها في كل يوم على أعراض الناس ودمائهم وأموالهم؟ ثبت في سنن أبي داود قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ».
- مما يبين أنَّ أزمتنا أزمة ضمير أنَّ التراحم بين الناس انزوى، وصار خلقَ قلة من العباد الذين يرجون الله والدار الآخرة، ولو سادت أخلاق الإسلام لكان التراحم بينهم عنوان حياتهم، قال صلوات الله وسلامه عليه: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» رواه الترمذي.
- الأخلاق في الإسلام تأمر المسؤول الفاشل أن يترك مكانه لأهل الكفاءات! فما أكثر الفشلة الذين يتشبثون بالمناصب ويتمسكون بها، فلا يزحزحهم منها إلا زوال حكومتهم أو موتهم وهلاكهم! عندها ترتاح الخليقة منهم ومن فشلهم!!
- أزمتنا أزمة أخلاق لأنك تجد من يتعرض لبنات المسلمين بالمضايقات والمعاكسات، فهل يرضى هذا الخبيث بأن يُمارس ذلك في عرضه!!؟ وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم من يموت دون عرضه من الشهداء.
- أزمتنا أزمة أخلاق لأن كثيراً من بيوتنا ممتلئةٌ بالمشاكل والصراخ وعدم الرحمة، فالأخ لا يرحم أخته، ويحسُد أخاه الذي خرج معه من رحِم واحد! يحسده ويعاديه! أين هؤلاء من أخلاق الإسلام؟!! في مسند أحمد، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا، أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ».
- تجد في كثير من بيوت المسلمين الأب الذي لا يعامل ولده وزوجه إلا بأسوأ صور التعامل، فيضرب الأم أمام أولادها! وتجد الأم التي لا تراعي حرمة زوجها وتكون سبباً في أن يتجرَّأ ولدها على أبيهم، وإذا قَدَّر الله ألا تستمر الحياة بين الزوجين لا تجد لكثير من هؤلاء هماً سوى أن يجعل صورة صاحبه عند أولادهما صورةً سوداء قاتمة، يظن أنه بذلك يكسب ودهم، وما علم المسكين أن البر لا يتجزأ، فالذي يعق أمه بسبب طعن والده فيها وتحريضه عليها سيذوق من ذات الكأس الذي سقى منه ولده يوما ما!!
- ما أكثر الظلم في بلادنا! أرأيتم: لو تحلى الناس بأخلاق الإسلام أيكون ظلم بين العباد، وربهم يقول: «إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً»!!
- ومما يبين أن الأزمة أزمة أخلاق وضمير أنَّ بعض الناس إذا كان بين قومه أظهر الصلاح لهم، فإذا ما خلا بمحرم الله تجرَّأ عليها، وانبعث نفسه فيها!! وفي مكارم الأخلاق للخرائطي، مكارم الأخلاق للخرائطي، أنَّ رَجُلًا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: «أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحْيِيَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا تَسْتَحْيِي رَجُلًا مِنْ صَالِحِي قَوْمِكَ».
- هذا كله يبين لنا أنَّ أزمتنا أزمة أخلاق وأزمة ضمير!
حث الإسلام على حسن الخلق
هذه بعض النصوص من السنة النبوية حثَّ فيها النبي صلى الله عليه وسلم على حسن الخلق:
عن أنس رضي الله عنه قال: “كَانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أحْسَنَ النَّاس خُلُقاً” متفقٌ عَلَيْهِ.
وعن النَّوَاس بنِ سمعان رضي الله عنه، قَالَ: سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن البِرِّ وَالإثم، فَقَالَ: «البِرُّ : حُسنُ الخُلقِ، والإثمُ: مَا حاك في صدرِك، وكَرِهْتَ أن يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» رواه مسلم.
وقوله: «البر حسن الخلق»، كقوله: «الحج عرفة»، وهو يدل على مكانة الأخلاق في الإسلام.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قَالَ: لَمْ يكن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَاحِشاً وَلاَ مُتَفَحِّشاً، وكان يَقُولُ: «إنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أحْسَنَكُمْ أخْلاَقاً» متفقٌ عَلَيْهِ.
وعن أَبي الدرداءِ رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أثْقَلُ في مِيزَانِ العبدِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ، وَإنَّ الله يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيء» رواه الترمذي.
والفاحش البَذِيء: هُوَ الَّذِي يتكلَّمُ بِالفُحْشِ ورديء الكلامِ.
وعن أَبي هريرة رضي الله عنه، قَالَ: سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ أكثرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «تَقْوَى اللهِ وَحُسنُ الخُلُقِ»، وَسُئِلَ عَنْ أكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: «الفَمُ وَالفَرْجُ» رواه الترمذي.
وعنه، قال: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكْمَلُ المُؤمنينَ إيمَاناً أحسَنُهُمْ خُلُقاً، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ» رواه الترمذي.
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ» رواه أَبُو داود.
وعن جابر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: «إنَّ مِنْ أحَبِّكُمْ إليَّ، وَأقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ القِيَامَةِ، أحَاسِنَكُم أخْلاَقاً» رواه الترمذي.
وروى الترمذي عن عبد الله بن المباركِ رحِمه الله في تفسير حُسْنِ الخُلُقِ، قَالَ: “هُوَ طَلاَقَةُ الوَجه، وَبَذْلُ المَعروف، وَكَفُّ الأذَى”.
وإن من الأخلاق التي دعا إليها ديننا: أن يحب المسلم لإخوانه ما يحبه لنفسه.
وأذكر هذا نموذجاً في خطبتي هذه لأخلاق الإسلام؛ لما يراه الناس من فشو الأنانية وحب الذات!! وهذه بعض الأحاديث التي اشتملت على الترغيب في هذا الخلق:
عن أبي حمزة أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُؤمنُ أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه» رواه البخاري ومسلم.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ»؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ: «اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ» رواه الترمذي.
وفي صحيح مسلم، قال عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه –وهو جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ-: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ، وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ، إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ».
وعن يزيد بن أسَد: قال: قال لي رسول الله «أتحب الجنة ؟ قلت : نعم ، قال : فأحب لأخيك ما تحب لنفسك» رواه أحمد.
وعن أبي المنتفق رضي الله عنه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة، فدنوت منه حتى اختلفت عنق راحلتي وعنق راحلته فقلت: يا رسول الله أنبئني بعمل ينجيني من عذاب الله ويدخلني جنته، فقال: «اعبد الله و لا تشرك به شيئا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأدِّ الزكاة المفروضة، و حج واعتمر، وصم رمضان، وانظر ماذا تحب من الناس أن يأتوه إليك فافعله بهم، وما تكره من الناس أن يأتوه إليك فذرهم منه» رواه الطبراني.
فاللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيِّئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
ربِّ صلِّ وسلِّم على نبينا محمد.

