الحسد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحسد
جمعة: 13 صفر 1444هـ الموافق: 9/9/ 2022م
مهران ماهر عثمان- مسجد السلام بالطائف مربع (22)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبي الله، أما بعد؛ فهطبتنا هذه عن الحسد، نسأل الله العافية منه، والسلامة من أهله.
معنى الحسد
قال أبو البقاء الكَفَوِي رحمه الله: “الحسد: اختلاف القلب على الناس؛ لكثرة الأموال والأملاك”([1]).
الحسد إذا مُدح في النص النبوي فهة الغبطة
ففي الحديث المتفق على صحته: «لاَ حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا».
الغِبطة: تمنِّي ما للغير من الحال الحسنة بدون أن يتمنى زوالَ ما عندَه، بخلاف الحسد الذي يتمنى به زوالها([2]).
النهي عن الحسد
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا» متفق عليه.
التحذير من الحسد
الحسد شر أُمرنا بالتعوُّذ منه
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [سورة الفلق].
والفلق الصبح، سُمِّي بذلك؛ لأنه يُفلق عنه الليل. والغاسق في الحديث الذي رواه الترمذي القمر، ووقب: دخل، وهذا لا يكون إلا في الليل، فالمراد: التعوذ مما يكون في الليل من الشرور. و﴿النَّفَّاثَاتِ﴾ يعني الأنفُسَ النفَّاثات، فيشمل الرجال والنساء، والمراد النفس التني تنفث في العقد بطلاسم شركية لإحداث السحر.
قال الحسين بن الفضل رحمه الله: “إنَّ الله جمع الشرور في هذه الآية، وختمها بالحسد ليعلم أنه أخسُّ الطبائع”([3]).
وهو من صفات الكافرين
وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109].
وقال عن اليهود: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54].
والمعنى: بل أيحسدون محمدًا صلى الله عليه وسلم على ما أعطاه الله من نعمة النبوة والرسالة، ويحسدون أصحابه على نعمة التوفيق إلى الإيمان، والتصديق بالرسالة، واتباع الرسول، والتمكين في الأرض، ويتمنون زوال هذا الفضل عنهم؟
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه أبو داود.
وفيه اعتراض على أقدار رب العالمين!
قال القرطبي رحمه الله عند تأويل هذه الآية: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]: “قَالَ عبد الله ابن مَسْعُودٍ: لَا تُعَادُوا نِعَمَ اللَّهِ. قِيلَ لَهُ: وَمَنْ يُعَادِي نِعَمَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِينَ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: الْحَسُودُ عَدُوُّ نِعْمَتِي مُتَسَخِّطٌ لِقَضَائِي غَيْرُ رَاضٍ بِقِسْمَتِي. وَلِمَنْصُورٍ الْفَقِيهِ:
أَلَا قُلْ لِمَنْ ظَلَّ لِي حَاسِدًا … أَتَدْرِي عَلَى مَنْ أَسَأْتَ الْأَدَبْ
أَسَأْتَ عَلَى اللَّهِ فِي حُكْمِهِ … إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْضَ لِي مَا وَهَـــــــــبْ”([4]).
وأول ذنب عُصي الله به في الأرض وفي السماء: الحسد
“وَيُقَالُ: الْحَسَدُ أَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فِي السَّمَاءِ، وَأَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ بِهِ فِي الْأَرْضِ، فَأَمَّا فِي السَّمَاءِ فَحَسَدُ إِبْلِيسَ لِآدَمَ، وَأَمَّا فِي الْأَرْضِ فَحَسَدُ قَابِيلَ لِهَابِيلَ”([5]).
وإذا حلَّ الحسد في قلب لم يبق لإيمان معه
فعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال: «لا يجتمع في جوف عبد غبارٌ في سبيل الله وفَيْحُ جهنم، ولا يجتمع في جوف عبد الإيمانُ والحسد» رواه ابن حبان في صحيحه، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (2886).
والحسد جالب لسخط الله تعالى
فالتسخط على ما يقدره الله مجلبة لغضبه، ففي سنن الترمذي: «إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ».
وإذا سخط الله على عبده أذاقه عقابه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: 55].
وقال أبو حاتم رحمه الله: “الواجب على العاقل مجانبة الحسد على الأحوال كلِّها، فإنَّ أهون خصال الحسد هو ترك الرضا بالقضاء، وإرادة ضد ما حكم الله جل وعلا”([6]).
آثار الحسد
1/ الشحناء والبغضاء.
2/ المقاطعة والمدابرة.
3/ القتل والبغي.
4/ عدم الراحة والطمأنينة.
قَالَ الْحَسَنُ رحمه الله: “مَا رَأَيْتُ ظَالِمًا أَشْبَهَ بِمَظْلُومٍ مِنْ حَاسِدٍ، حُزْنٌ لَازِمٌ، وَعَبْرَةٌ لَا تَنْفَدُ”([7]). وقال ابن المعتز: “الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له، ويبخل بما لا يملكه، ويطلب ما لا يجده”([8]).
ما يعين على ترك الحسد
1/ التعرف على الله.
فمن أسماء الله الحكيم، ومن معاني هذا الاسم أنه لا يقدر إلا ما هو حكمة، فمن عرف ربَّه اطمأن ولم يحسد أحداً على ما ساق إليه من فضل.
2/ أن يعلم ما في محبة الخير للغير من البركة عند الله.
فلو أنَّ الحاسد ملأ قلبه بحبّ مَن يفضلُه ويحسده وبحبِّ الخير له بدلاً من حسده لجمع الله بينهما بهذا الحب، وهذه بركةٌ مُنع من نيلها الحاسدون!
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُؤمنُ أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه» رواه البخاري ومسلم.
3/ الدعاء للمحسود بالزيادة من فضل الله تعالى.
فالحسد من الشيطان، فإذا وجد الشيطان أنه كلما أوقع عبداً في حسدٍ دعا بخير انقطع شرُّه بذلك.
وبالدعاء ينال ما عند أخيه من الخير.
فعن أم الدرداء رضي الله عنها قالت: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ» رواه مسلم.
4/ التسليم لمراد الله.
قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف:32].
5/ التعرف على ثمرة البراءة من الحسد.
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَان». قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ، نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ».
قال الملا علي القاري رحمه الله في القلب المخموم: “أن يكون القلب مُنَظَّفًا مِنْ أَخْلَاقِ الْأَقْذَارِ “([9]).
التقي: الذي يجعل بينه وبين عذاب الله وقاية بفعل الأوامر وترك النواهي.
النقي: طاهر القلب عن محبة غير المولى.
لا إثم في قلبه: في قلبه ولا في لسانه ولا في سائر جوارحه.
ولا بغي: لاظلم له.
ولا غل: لا حقد.
ولا حسد: لا يكره الخير للغير([10]).
كيف تنجو من شر الحاسد؟
1/ بالتعوُّذ بالله.
والحرص على قراءة المعوذات في الصباح، والمساء، وقبل النوم، ودبر الصلوات المكتوبات.
فعن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْجُحْفَةِ، وَالْأَبْوَاءِ، إِذْ غَشِيَتْنَا رِيحٌ، وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ بِأَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَأَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، وَيَقُولُ: «يَا عُقْبَةُ، تَعَوَّذْ بِهِمَا فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا» رواه أبو داود.
وقال: «يا عُقْبَةَ بنَ عامرٍ؛ اقْرَأْ بهِمَا كُلَّمَا نِمْتَ وقُمْتَ» رواهُ النسائيُّ وحسَّنه الألباني.
وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «قُلْ»، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: «قُلْ»، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، قَالَ: «قُلْ»، فَقُلْتُ، مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «قُلْ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَالمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَتُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» رواه الترمذي.
وعقبة بن عامر رضي الله عنه قال: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ فِي دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ” رواه أحمد وأبو داود.
2/ بالبعد عن أهل الحسد.
قال الجاحظ: “فإذا أحسست -رحمك الله- من صديقك بالحسد، فأقلل ما استطعت من مخالطته، فإنَّه أعون الأشياء لك على مسالمته، وحصن سرَّك منه تسلم من شرِّه وعوائق ضرِّه، وإياك والرغبة في مشاورته”([11]).
3/ بحفظ الله والقيام بأمره.
قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «احفظ الله يحفظك» رواه الترمذي.
4/ بالتوكل على الله.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].
اصْبِرْ عَلَى حَسَدِ الْحَسُود … فَإِنَّ صَبْرَكَ قَاتِلُهْ
فَالنَّارُ تَأْكُلُ بَعْضَهَا … إِنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَأْكُلُهْ.
رب صل وسلم على نبينا محمد.
[1] / الكليات، (ص: 408).
[2] / لسان العرب (7/ 359).
[3] / الكشف والبيان للثعلبي (10/ 340).
[4] / تفسير القرطبي (5/ 251).
[5] / تفسير القرطبي (5/ 251).
[6] / روضة العقلاء، (ص:133).
[7] / العقد الفريد لابن عبد ربه (2/ 170).
[8] / غرر الخصائص الواضحة للوطواط، (ص: 603).
[9] / مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3268).
[10] / مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3268).
[11] / الرسائل (3/ 16).