مقالات

الأمانة

بسم الله الرحمن الرحيم

الأمانة

مهران ماهر عثمان

الحمد لله حمداً كثيرا طيبا مباركا فيه، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد؛ فهذه نقاط مهمة عن خلق عظيم من أخلاق الإسلام، وهو الأمانة.

إن أزمتنا اليوم أزمة أمانة.

وهذه مشاهد واقعية تبين ذلك:

  • طبيب يكتب دواء يعلم أن غيره خير؛ منه لما تغذيه به شركة الأدوية من فتات الدنيا..
  • وآخر يطلب فحوصات لا يحتاج المريض إليها؛ ليحافظ على نسبته عند المختبر الذي يبعث بالمرضى إليه.
  • وسائق التاكسي الذي يستغل جهل مستأجره بالأماكن فيسلك أبعد الطرق إلى المقصود ليزيد في ثمن الأجرة.
  • داعية يسبِّح بحمد الحاكم آناء الليل وأطراف النهار..
  • عالم لا هم له سوى إصدار الفتاوى التي يرضي بها جمهورا عريضا من الناس.
  • مهندس يتجاوز عن أخطاء المقاول القاتلة بسبب الرشوة.
  • الحكام الظلمة الذين يمثلون أداة طيعة لدول الاستكبار..
  • مدين يجد وفاء ويماطل الدائن.
  • موظف لا يقوم بما يجب عليه إلا بالرشوة!

من تأمل حوله رأى كثيراً من هؤلاء، وهذا أصدق دليل على أن أزمتنا أزمة ضمير وأمانة..

 

معنى الأمانة

يراد بالأمانة ثلاثة أشياء:

الأول: عفة الأمين عما ليس له به حق.

الثاني: تأدية الأمين ما يجب عليه من حق لغيره.

الثالث: اهتمام الأمين بحفظ ما استؤمن عليه، وعدم التفريط بها والتهاون بشأنها [الأخلاق الإسلامية وأسسها، عبد الرحمن حسن حبنكة:  1/ 646- 647].

 

من مظاهر إضاعة الأمانة

إذا ضُيعت الأمانة: عُبد غير الله، وبيعت الامتحانات للطلاب، وأفتى الشيخ بغير الحق، وتساهل المصحح المحاضر مع طالبته مقابل أن تبذل له نفسها، ولم يُراقب أولاد (الكبار) في الامتحانات، وتعسرت الإجراءات والمعاملات بدون رشوة.

 

ضياع الأمانة من علامات الساعة

قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة» رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق.

قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يخون الأمين، ويؤتمن الخائن” رواه أحمد وصحح إسناده العلامة أحمد شاكر.

وفي البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم جاء أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث. فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال: «أين أراه السائل عن الساعة»؟ قال: ها أنا يا رسول الله. قال: «فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». قال: كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».

وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلا أمينا» رواه البخاري ومسلم.

وفي سنن ابن ماجه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ» ، قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: «الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ».

 

الأمر بأداء الأمانة

أمر ربنا في كتابه بأداء الأمانة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء/58]. أي: إن الله تعالى يأمركم بأداء مختلف الأمانات، التي اؤتمنتم عليها إلى أصحابها، فلا تفرطوا فيها.

وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة/283].

وأمر بأدائها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» رواه أبو داود.

وعرف المشركون الذين كانوا يجتهدون في ألا يسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا؛ لئلا يتأثروا به، عرفوا أنه جاء بالأمانة، ثبت عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له: سألتك ماذا يأمركم فزعمت أنه يأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: “وهذه صفة نبي” متفق عليه.

 

النهي عن إضاعة الأمانة

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال/27].

معنى الآية: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه لا تخونوا الله ورسوله بترك ما أوجبه الله عليكم وفِعْل ما نهاكم عنه، ولا تفرطوا فيما ائتمنكم الله عليه، وأنتم تعلمون أنه أمانة يجب الوفاء بها.

 

الترغيب في أداء الأمانة

أداء الأمانة سبيل المؤمنين

قال تعالى في نعت المؤمنين في سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾  [المؤمنون: 8].

والمعنى: والذين هم حافظون للأمانة، موفون بكل عهودهم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم» رواه الترمذي.

 

وأداء الأمانة سبب في النجاة عند المرور على الصراط:

عن حُذَيفَة وأبي هريرة رضي الله عنهما، قالا: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «يَجمَعُ اللهُ تبَارَكَ وَتَعَالَى النَّاسَ فَيَقُومُ المُؤمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الجَنَّةُ، فَيَأتُونَ آدَمَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيهِ، فَيقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الجَنَّةَ، فَيقُولُ: وَهَلْ أخْرَجَكُمْ مِنَ الجَنَّةِ إلاَّ خَطيئَةُ أبيكم! لَسْتُ بِصَاحِبِ ذلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْراهيمَ خَلِيل اللهِ. قَالَ: فَيَأتُونَ إبرَاهِيمَ فَيَقُولُ إبراهيم: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذلِكَ إِنَّمَا كُنْتُ خَليلاً مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، اعْمَدُوا إِلَى مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ الله تَكليماً. فَيَأتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لستُ بِصَاحِبِ ذلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسى كلمةِ اللهِ ورُوحه، فيقول عيسى: لستُ بصَاحبِ ذلِكَ، فَيَأتُونَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم فَيَقُومُ فَيُؤذَنُ لَهُ، وتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَيَقُومانِ جَنْبَتَي الصِّرَاطِ يَمِيناً وَشِمَالاً فَيَمُرُّ أوَّلُكُمْ كَالبَرْق» رواه مسلم.

قال النووي رحمه الله: “ترسل الأمانة والرحم؛ لعظم أمرها وكبر موقعها فتصوران مشخصتين على الصفة التي يريدها الله تعالى” [شرح صحيح مسلم2/60].

 

وأداء الأمانة من موجبات الجنة

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج/32-35].

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اضمنوا لي ستا أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكفوا أيديكم» رواه أحمد.

وفي سنن أبي داود عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا، وأعطى الزكاة طيبة بها نفسه، وأدى الأمانة». قالوا: يا أبا الدرداء: وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة. وهذا تفسير للشيء بمثالٍ له.

 

التحذير شديد من تضييع الأمانة

إضاعة الأمانة من صفات المنافقين:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» متفق عليه.

ورواه أبو يعلى من حديث أنس ولفظه: «ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال إني مسلم …».

وضياعها ضياع للإيمان:

فعن أنس رضي الله عنه قال ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» رواه أحمد.

وتضييع الأمانة فضيحة في الآخرة:

عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء، فقيل هذه غدرة فلان ابن فلان» رواه مسلم وغيره.

والتفريط في الأمانة سبب لدخول النار:

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، يؤتى العبد يوم القيامة وإن قتل في سبيل الله فيقال: أد أمانتك. فيقول: أي رب كيف وقد ذهبت الدنيا؟! فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فينطلق به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه، حتى إذا ظن أنه خارج زلت عن منكبيه، فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين”.  ثم قال: “الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، -وذكر أشياء ثم قال:- وأشد ذلك الودائع” رواه أحمد والبيهقي موقوفا.

ولسوء سبيل الخيانة وضياع الأمانة تعوذ نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك، فقد كان من دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع؛ فإنه بئس الضجيج، وأعوذ بك من الخيانة؛ فإنها بئست البطانة” رواه أبو داود والنسائي.

 

ميادين الأمانة

إنَّ آكد الأمانات وأولاها بالرعاية: أركان الإسلام؛ التوحيد، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج.

والنفس أمانة،  ومن قتل نفسه بشيء عذب به في النار.

والأسرار أمانة، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة» رواه الترمذي.

والحفاظ على ما يحدث بين الزوجين في الفراش أمانة،  فعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» رواه مسلم.

وإنما شُدِّد في هذا لئلا تثور الشهوات بسماع هذه الأخبار، فتموت العفة في المجتمعات.

والأذان أمانة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن» رواه الترمذي، فلا يسوغ للمؤذن أن يؤذن قبل الوقت؛ لئلا يصلي أحد بأذانه قبل دخول وقت الصلاة، ولا يسوغ له أن يتأخر عنه؛ لئلا يأكل صائم في وقت لا يحل له أن يأكل فيه، فهو مؤتمن لأنه مطالب برفع النداء لحظة دخول الوقت.

وأداء دين الميت من تركته أمانة، ففي السنن الكبرى للنسائي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال بعدما قضى ما على أبيه من الدين: “فما زال يكيل لهم –يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم- حتى أدى الله أمانة والدي”. فسمى دين والده أمانة، فإذا اقتسم الورثة المال ولم يخرجوا ما على الميت من الدين كانوا ظلمة خائنين للأمانة.

وإنفاذ الوصية أمانة، فلا يحل للورثة أن يقتسموا مال مورثهم إلا بعد إخراج الدين والوصية.

والدين مقدَّم على الوصية بلا خلاف، وإنما قدمت عليه في القرآن الكريم لأن الغالب أن للدين من يطالب به، بخلاف الوصية فقد يكون أمرها خافياً على الموصَى إليه. قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء/11]، وقال: ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء/12]، وقال: ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء/12]، وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء/12].

وحفظ الخازن لما في مخزنه أمانة، فإن كان أميناً وأعطى ما تمت المصادقة عليه من رئيسه بطيب نفسٍ كان له أجر الصدقة، ففي الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الخازن الأمين الذي يؤدي ما أمر به طيبة نفسه أحد المتصدقين».

وحفظ الراعي لمال صاحبه أمانة، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنت أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط فمرَّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، فقال: «يا غلام، هل من لبن»؟ قال: نعم. ولكني مؤتمن. رواه أحمد وصححه أحمد محمد شاكر.

والاستشارة أمانة، ففي جامع الترمذي، عن أمِّ سلمة وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المستشار مؤتمن».

والمناصب العامة والولاية أمانة، ففي صحيح مسلم، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي. ثم قال: «يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها».

وكل وظيفة أو عمل يجب على الإنسان أن يقوم بما تم التعاقد عليه من مهام.

وصيانة الأعراض أمانة، فقد مدحت بنت شعيب موسى عليه السلام بالأمانة لما غض بصره عنها.

 

الأمناء

نعت الله كوكبة من عباده بالأمانة في كتابه، قال نوح عليه السلام لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء/107]، وقال هود عليه السلام: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف/68]، وقال ربنا عن صالح عليه السلام: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾  [الشعراء/142، 143]، وقال عن لوط عليه السلام: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء/161، 162]، وقال شعيب عليه السلام لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء/178]، وفي يوسف عليه السلام جاء قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف/54]، وفي موسى عليه السلام: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الدخان/17، 18]، وقالت بنت شعيب لما رأته غاضا لبصره: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾[القصص/26].

وأثنى على جبريل عليه السلام بأمانته، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء/192، 193].

وقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير/19-21].

وسيد الأمناء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فهو الذي قال: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» أخرجاه في الصحيحين.

ولما هاجر المسلمون إلى الحبشة فراراً بدينهم قال جعفر للنجاشي رضي الله عنهما: “أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه” رواه أحمد.

وكان يلقب في الجاهلية بالصادق الأمين.

وممن مدح بالأمانة أبو عبيدة رضي الله عنه، بل إنه أمين هذه الأمة.

ففي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل نجران: «لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين»، فاستشرف لها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث أبا عبيدة.

ولهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة».

وما ذُكِر هؤلاء، وما ذكرت أمانتهم إلا ليقتدي الناس بهم في ذلك، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام/90].

 

من أسباب ضياع الأمانة

إنَّ لضياع الأمانة أسباباً، فمن ذلك:

العقيدة الفاسدة:

قال ربنا: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران/75].

ومعنى الآية:

ومن أهل الكتاب من اليهود مَن إنْ تأمنه على كثير من المال يؤدِّه إليك من غير خيانة، ومنهم مَن إنْ تأمنه على دينار واحد لا يؤدِّه اليك، إلا إذا بذلت غاية الجهد في مطالبته. وسبب ذلك عقيدة فاسدة تجعلهم يستحلُّون أموال العرب بالباطل، ويقولون: ليس علينا في أكل أموالهم إثم ولا حرج; لأن الله أحلَّها لنا. وهذا كذب على الله، يقولونه بألسنتهم، وهم يعلمون أنهم كاذبون.

فبسبب هذه العقيدة الفاسدة خانوا الأمانة.

ومثلهم بعض الجماعات التكفيرية، الذين يعدُّون نساء المؤمنين سبايا، وأموالهم غنائم، فيخونون الأمانة بسبب فساد الاعتقاد.

ومن أسباب ضياع الأمانة:

ضعف الإيمان، وفي الحديث: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» رواه أحمد.

ومن أسباب ذلك:

عدم معاقبة الخائنين المفسدين؛ فهذا يجرئ غيرهم لسلوك سبيلهم، ومن أمن العقوبة أساء الأدب.

وكم من ملفات الفساد نسمع بها وباللجان التي كُوِّنت لتقصي الحقائق في شأنها ثم ما تلبث أن تغيب بغتةً عن ساحة الإعلام ولا تَسمع لخبرها ذكرا، ثم يترقى المتهمون بالفساد من مناصبهم إلى مناصب أعلى!!

ومن أسباب إضاعة الأمانة فساد المسؤولين:

في عيون الأخبار لابن قتيبة:  لما أتي عمر بتاج كسرى وسواريه جعل يقلبه بعود في يده ويقول: “والله إن الذي أدى إلينا هذا لأمين”. فقال رجل: “يا أمير المؤمنين أنت أمين الله، يؤدّون إليك ما أديت إلى الله، فإذا رتعت رتعوا”. قال: “صدقت”. وقوله: رتعت، أي: فسدتَّ وتطاولت على المال العام.

 

قصص الأمانة في السنة

أولُ قصةٍ تتعلق بالأمانة قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، وفيها:

«وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، وأَعْطَيْتُهُمْ أجْرَهُمْ غيرَ رَجُل واحدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهبَ، فَثمَّرْتُ أجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنهُ الأمْوَالُ، فَجَاءنِي بَعدَ حِينٍ، فَقالَ: يَا عبدَ اللهِ، أَدِّ إِلَيَّ أجْرِي، فَقُلْتُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أجْرِكَ؛ مِنَ الإبلِ وَالبَقَرِ والْغَنَمِ والرَّقيقِ، فقالَ: يَا عبدَ اللهِ، لاَ تَسْتَهْزِىءْ بي! فَقُلْتُ: لاَ أسْتَهْزِئ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فاسْتَاقَهُ فَلَمْ يتْرُكْ مِنهُ شَيئاً. الَّلهُمَّ إنْ كُنتُ فَعَلْتُ ذلِكَ ابِتِغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحنُ فِيهِ، فانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ» متفق عليه.

فلم يأخذ منه شيئا، ودفع إليه بالمال كله.

 

والثانية:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «إن رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ. فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ. فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا. قَالَ: فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ. قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا. قَالَ: صَدَقْتَ. فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً ، فَنَقَرَهَا –حفرها-، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا –أصلحه-، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلَا فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ.

فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ. قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ فَانْصَرِفْ بِالْأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا» رواه البخاري.

ما أعظم أمانته! وما أكبر ثقته في الله!

 

والقصة الثالثة رواه ابن ماجه:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ النبِي صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ اشْتَرَى عَقَارًا فَوَجَدَ فِيهَا جَرَّةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الْأَرْضَ وَلَمْ أَشْتَرِ مِنْكَ الذَّهَبَ! فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ بِمَا فِيهَا، فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: فَأَنْكِحَا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ وَلْيُنْفِقَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ، وَلْيَتَصَدَّقَا».

فماذا تقولون لو تكرر هذا الحدث فحدث في زماننا؟! هل سيختصم الطرفان ليدفع كل منهما بالذهب إلى صاحبه!!؟ أم سينشب قتال بسبب الطمع في الذهب؟

 

ومن أجمل قصص الأمانة ما قال عبد الله بن دينار رحمه الله: “خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة، فعَرَّسْنا –التعريس: النزول آخر الليل- في بعض الطريق، فانحدر عليه راع من الجبل، فقال له: يا راعي، بعني شاة من هذه الغنم؟ فقال: إني مملوك. فقال: قل لسيدك: أكلها الذئب؟ قال: فأين الله؟ فبكى عمر رضي الله عنه ثم غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه، وأعتقه وقال: “أعْتَقَتْك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تعتقك في الآخرة” [إحياء علوم الدين للغزالي رحمه الله 4/ 396].

 

من أحكام الودائع

هذه بعض أحكام الودائع، فأشد الأمانات الودائع كما قال ابن مسعود رضي الله عنه.

فمن أحكامها [أكثرها من الملخص الفقهي للفوزان حفظه الله]:

أنه يستحب قبول الوديعة لمن علم من نفسه أنه ثقة قادر على حفظها؛ لأن في ذلك ثواباً جزيلاً؛ لما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». ولحاجة الناس إلى ذلك، أما من لا يعلم من نفسه القدرة على حفظها، فيكره له قبولها.

ومن أحكام الوديعة أنه يجب على المودع حفظها في حرز مثلها كما يحفظ ماله؛ لأن الله تعالى أمر بأدائها في قوله: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾، ولا يمكن أداؤها إلا بحفظها، ولأن المودع حينما قبل الوديعة فقد التزم بحفظها، فيلزمه ما التزم به.

ومن أحكام الوديعة أنها إذا تلفت عند المودَع ولم يفرط أو يعتدي فإنه لا يضمنها؛ والاعتداء فعل ما لا يجوز؛ كما لو استعملها، والتفريط ترك ما يجب، كما لو تركها بدون حرز، وقد وورد في حديث فيه ضعف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أودع وديعة؛ فلا ضمان عليه» رواه ابن ماجه، وذلك لأن المستودع يحفظها تبرعاً، ولو ضمنها لقلت المروءة بين الناس ولم يقبلوا الودائع.

أما المعتدي على الوديعة أو المفرط في حفظها؛ فإنه يضمنها إذا تلفت؛ لأنه متلف لمال غيره.

ولو كان من عادة الرجل أنه يدفع ماله وأشياءه القيمة إلى مَن يستأمنه فاستُودع شيئا فدفع به إليه وتلف بدون تعد أو تفريط فلا ضمان عليه؛ لأنه إنما يحفظ متاعه وماله عنده.

ولو كانت الوديعة تحتاج إلى نفقة والتزم شخص بحفظها فإنه يلزمه أن ينفق عليها ما يتم به حفظها، مثلا: إذا كانت الوديعة دابة؛ لزم المودع إعلافها، فلو قطع العلف عنها فتلفت ضمنها؛ لأن إعلاف الدابة مأمور به، ومع كونه يضمنها؛ فإنه يأثم أيضاً بتركه إعلافها أو سقيها.

وإذا أودع أحد عندك وديعه فليس لك التصرف فيها إلا بإذنه، فلو ترك عندك مالا وأنت تعلم أنك قادر على سداد جزء منه إن أخذته قبل أن يطالب به صاحبه فليس لك ذلك إلا من بعد إذنه.

وإن أودع شخص مالا عند أخيه فمات صاحب المال ردت الوديعة إلى الورثة.

وإن غاب فطالت غيبته فلك في هذه الحال أن تتصدق بها نيابة عنه، فإن وجدته فيما بعد، فإنك تخبره بما فعلت، فإما أن يجيز الصدقة ويكون له ثوابها، وإما أن يأخذ ماله ويكون ثواب الصدقة لك.

ويشترط لصحة الإيداع ما يعتبر للتوكيل من البلوغ والعقل والرشد؛ لأن الإيداع توكيل في الحفظ.

ومما يتعلق بالأمانة من المسائل الفقهية أنه لو أوكل عني فقيرا لتوزيع الزكاة فليس له أن يأخذ منها لنفسه أو لمن يلزمه الإنفاق عليهم إلا بإذن من صاحب الزكاة؛ فالوكيل لا يتصرف لمصلحة نفسه.

رب صل وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

 

شارك المحتوى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *