
محبة النبي صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم
محبة النبي صلى الله عليه وسلم
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
فإن من أجلِّ القربات، وأعظم العبادات، محبة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا مقال أحببت أن أنبِّه فيه على بعض النقاط المهمة التي تتعلق بهذه القربة العظيمة.
وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم
إنَّ محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر دلت عليه آيات القرآن، وسنة خير الأنام..
قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة/24].
وكلُّ هذه المذكورات في الآية جُبل المرء على محبتها، وليس المراد النهي عن هذا الأمر أو ذَمَّ فاعلِه، وإنما المراد من الآية ذمُّ من قدم حبَّها على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله؛ فإنَّ حبَّها مركوز في نفوسنا.
ومن الأدلة القرآنية على وجوب تقديم حب النبي صلى الله عليه وسلم على كلِّ محبوب قول رب العالمين: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب/6].
يقول ابن القيم رحمه الله: “قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ﴾، ولا يتم لهم مقام الإيمان حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليهم من أنفسهم، فضلاً عن أبنائهم وآبائهم” [روضة المحبين 1/276].
ودلت السنة النبوية على أنه لا إيمان لمن لم يقدم حبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على كلِّ محبوب، فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» متفق عليه.
وقال عبدُ الله بْنُ هِشَامٍ رضي الله عنه: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ». فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآن -والله- لأنت أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ له النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «الآن يَا عُمَرُ» رواه البخاري.
قال ابن حجر رحمه الله: “قال الخطابي: حبُّ الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب، وإنما أراد عليه الصلاة والسلام حب الاختيار؛ إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه. قلتُ: فعلى هذا فجواب عمر أولاً كان بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه؛ لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والأخرى، فأخبر بما اقتضاه الاختيار، ولذلك حصل الجواب بقوله: «الآن يا عمر»، أي: الآن عرفت فنطقت بما يجب” [فتح الباري 11/528].
ونقل ابن حجر في شرح هذا الحديث عن بعض الزهاد قوله: “تقدير الكلام: لا تصدق في حبي حتى تؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه الهلاك” [الفتح 11/528].
وفي هذا الحديث إشارة إلى فضيلة التفكر؛ فإن عمر لما تفكر وأمعن النظر أصاب.
هل محبة النبي صلى الله عليه وسلم أمر خاص بالبشر؟
محبة النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر أمرها على بني البشر، فالجماد والنبات والحيوان يحب النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بالمؤمن..
مر النبي صلى الله عليه وسلم بجبل أحد فقال: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» متفق عليه.
وعند الترمذي عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ، فَخَرَجْنَا فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا، فَمَا اسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ وَلَا شَجَرٌ إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله.
وفي صحيح البخاري، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ألا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قال: «إِنْ شِئْتِ». فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ، فَصَاحَتْ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ تَنْشَقُّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَخَذَهَا، فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ.
وعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ الثَّقَفِيِّ رضي الله عنه قال: َنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَنَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَتْ شَجَرَةٌ تَشُقُّ الْأَرْضَ حَتَّى غَشِيَتْهُ ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ ذَكَرْتُ لَهُ فَقال: «هِيَ شَجَرَةٌ اسْتَأْذَنَتْ رَبَّهَا عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَذِنَ لَهَا» رواه الإمام أحمد.
جاءت لدعوته الأشجارُ ساجدةً تمشي إليه على ساق بلا قدمِ
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يَسنون عليه –يسقون-، وإنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره، وإن الأنصار جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنه كان لنا جمل نَسني عليه وإنه استصعب علينا ومنعنا ظهره، وقد عطش الزرع والنخل. فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «قوموا». فقاموا، فدخل الحائط والجمل في ناحيته، فمشى النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله قد صار مثل الكلب نخاف عليك صولته. قال: «ليس عليَّ منه بأس». فلما نظر الجمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل نحوه حتى خر ساجداً بين يديه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناصيته أذل ما كانت قط حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله هذا بهيمة لا يعقل يسجد لك، ونحن نعقل؛ فنحن أحق أن نسجد لك؟ فقال: «لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لعظمِ حقِّه عليها» رواه أحمد.
أسباب زيادة هذه المحبة
وهذه الأسباب نحن مأمورون باتخاذها، فمن أهم ذلك:
التأمل في أخلاقه التي امتدحها الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم﴾ [القلم/4].
ومنها: قراءة سيرته. ولذا فإن من أقوى سبل دعوة الكافرين إيقافهم على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها: قراءة خصائصه التي امتاز بها عن سائر الأنبياء.
ثمار محبة النبي صلى الله عليه وسلم
من ثمارها حلاوة الإيمان
فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» متفق عليه.
ومن ثمارها الرفعة في الجنة
لحديث الصحيحين، عن أَنَسٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ السَّاعَةِ، فَقال: مَتَى السَّاعَةُ؟ قال: «وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا»؟ قال: لَا شَيْءَ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم. فَقال: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ»، فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ.
لكن المحب الصادق الذي يناله هذا الفضل من سلك طريقه، واقتفى أثره، واستنار بنهجه، واهتدى بهديه.. ألا ترى أن اليهود والنصارى يحبون أنبياءهم وإنما لم يحظوا بمعيتهم في الآخرة لمخالفتهم لهم.
هل يشك أحدٌ في حب أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم؟ قاطعته قريش فآثر جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لحبه له، لكن لماذا غاير الله بين مآليهما في الآخرة؟ لأن أبا طالب لم يتبع النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً المرء مع من أحب، لكن لابد أن تسلك سبيل من أحببت لتكون معه، ولئلا يكون الحبُّ دعوةً جوفاء.
نماذج من محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم
ولذكر هذا فائدتان:
الأول: لنجعل منهم أسوة لنا في محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم.
الثاني : لنعرف لهم قدرهم.
خُبيب بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه
لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ومعه اثنان من أصحابه عيوناً بمكة، واعترضتهم بنو لحيان من هذيل، كان من أمر خبيب أنه قال بعد أن أخرجوه لقتله: “اللهم إني لا أجد رسولاً إلى رسولك فبلغه مني السلام”.
ما هذا يا خبيب !!؟ أهذا كل همك؟ هلا دعوت للخلاص من كربك!؟
في هذا الموقف يدعو الله أن يبلغ رسوله سلامه!!! لا عجب.. لا غرابة.. إنهم من اصطفاهم الله لنصرة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه. فنزل جبريل يحمل سلامه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم صلبوه، فقال: “اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تُبق منهم أحداً “. فقالوا له – وهو مصلوب-: أتحبُ أنَّ محمداً مكانَك؟ فقال: “لا والله العظيم، ما أحبُّ أن يَفْدِيَني بشوكة يُشاكها في قدمه” [المعجم الكبير للطبراني 5/260-261].
لو كان خلاصه في شوكةٍ تصيب النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وكان الأمر له، لاختار أن يموت ولا يمس النبي صلى الله عليه وسلم بسوء! فأيُّ حبٍّ هذا الذي حوتْه قلوبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم!!؟
موقف آخر:
قال ابن عباس رضي الله عنهما: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله إني لأحبك، حتى إني لأذكرك، فلولا أني أجيء فأنظر إليك ظننت أن نفسي تخرج، فأذكر أني إن دخلت الجنة صرت دونك في المنزلة، فشق ذلك عليَّ، وأحب أن أكون معك في الدرجة؟ فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء/69] رواه الطبراني في معاجمه الثلاثة ، وابن أبي شيبة في مصنفه.
امرأة من بني دينار
أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأُحد، فلما نُعُوا إليها قالت: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيراً يا أمَّ فلان، هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه؛ حتى أنظر إليه. فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل [تاريخ الطبري 2/74]. تريد: هيِّنةً؛ فجَلَلٌ من الأضداد كما قال الجوهري في الصحاح، يطلق على الأمر العظيم والهيِّن.
علي بن أبي طالب رضي الله عنه
يعطي سيفه لفاطمة رضي الله عنها بعد المعركة قائلاً:
أفاطم هاك السيف غير ذميـم فلست برعديد ولا بمليم
لعمري لقد قاتلت في حب أحمد وطاعة رب بالعباد رحيم
وقبل أسطر ذكر الأعمى الذي قتل أمته؛ لأنها تسب رسول الله صلى الله عليه وسلم
والصحابة جميعاً
قال عنهم عروة بن مسعود ينعت حالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم لقومه: “أَيْ قَوْمِ، والله لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، والله إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مُحَمَّدًا، والله إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ” رواه البخاري.
ربيعة الأسلمي رضي الله عنه
قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي :«سل». فقلت : أسألك مرافقتك في الجنة. قال:«أو غير ذلك»؟ قلت: هو ذاك. قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود» رواه مسلم.
سعد بن الربيع رضي الله عنه
بعد أحدٍ أرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأنصار ليأتي بخبره، فوجده جريحاً في القتلى وبه رمق. فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خُلِص إلى نبيِّكم صلى الله عليه وسلم ومنكم عين تَطْرِف. قال: ثم لم أبرحْ حتى مات [سيرة ابن هشام 2/94].
ومن النماذج
ما ثبت في الصحيحين، عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وعن شمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سوادَه حتى يموت الأعجل منا. فتعجبت لذلك. فغمزني الآخر، فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، قلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني، فابتدراه بسيفيهما، فضرباه حتى قتلاه.
سواد بن غَزِيَّة رضي الله عنه
مر به النبي صلى الله عليه وسلم في يوم بدر وهو يعدل صفوف أصحابه، وفي يده قِدحٌ –سهم بلا نصل-، وهو بارز من الصف، فطعن في بطنه بالقدح، وقال: «استو يا سواد». فقال يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأقدني، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال: «استقد». فاعتنقه، فقبل بطنه، فقال: «ما حملك على هذا يا سواد»؟ قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير [سيرة ابن هشام 1/626].
الأدلة على صدق محبتك للنبي صلى الله عليه وسلم
الأدلة كثيرة، ولكني أجتزئ منها عشرةً:
الأول: نصرته في حياته، ونصرة سنته بعد موته
أما نصرته حال حياته فهذا مما خص الله تعالى به أصحابه رضي الله عنهم، وقد قاموا بما أوجبه الله تعالى عليهم من نصرة نبينا صلى الله عليه وسلم خير قيام، وهذا من أعظم ما يدل على صدق محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وهل أدل على ذلك من فدائهم بأنفسهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وكثيراً ما كان الرجل منهم إذا اشتد الوطيس يجعل من نفسه تِرساً يحمي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثبت في صحيح البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: “رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم قد شُلَّت”.
الثاني: الحرص على صحبته
وهذا مما اختُص به الصحابة أيضاً، ولنا منها التمني، يقول الإمام النووي رحمه الله: “قال القاضي عياض رحمه الله: ومن محبته صلى الله عليه وسلم نصرة سنته، والذب عن شريعته، وتمنى حضور حياته فيبذل ماله ونفسه دونه” [شرح النووي على مسلم 2/16].
الثالث: امتثال أمره
فلا يعقل أن تدعي محبته ولا حظَّ لك من سنته وهديه وسمته، إن المحبة الحقيقية لا بد أن يتولد منها التأسي به صلى الله عليه وسلم، المحبة الحقيقية يتبعها الاتباع لمنهجه وطريقته..
تعصي النبيَّ وأنت تزعم حبَّه هذا محال في القياس بديع
لو كان حبُّك صادقاً لأطعته إن المحبَّ لمن يُحب مطيع
الرابع: الحرص على تبليغ سنته، والدعوة إليها
ولذا فإن الصادقين في حب نبيهم صلى الله عليه وسلم يفنون أعمارهم في الدعوة وتبصير الناس بها، والتأليف دفاعاً عنها، والرد على من يتجشم المهالك ويطعن فيها.
وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» متفق عليه. وقال أيضا في خطبته في حجة الوداع: «ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع» متفق عليه. وقال أيضا: «نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» رواه أبو داود.
الخامس: عدم الرضا بالإساءة إليه
حدَّث ابْـنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَتَشْتُمُهُ، فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ. فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: «أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ»، فَقَامَ الْأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ، حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا صَاحِبُهَا، كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «ألا اشْهَدُوا: أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ» رواه أبو داود والنسائي.
السادس: كثرة الصلاة عليه
فعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ، اذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَتْ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ». قَالَ أُبَيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: «مَا شِئْتَ». قلت: الرُّبُعَ؟ قال: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلْتُ: النِّصْفَ؟ قال: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قلت: فَالثُّلُثَيْنِ؟ قال: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قال: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ» رواه الترمذي.
ومعنى ذلك: أنه يستغرق الوقت الذي كان يدعو فيه بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
السابع: مجانبة البدع
لأنها تضل عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم وحوضه في الآخرة، ولا يمكن لمريدٍ محبٍّ يعرف ذلك ثم يستمر عليها ولا ينفك عن سبيلها! كيف لمحب يعلم أن البدعة تفرق بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم على حوضه ثم يباشرها!!؟
عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا» قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ». فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقال: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ»؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قال: «فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ: أَلَا هَلُمَّ. فَيُقال: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا» رواه البخاري ومسلم.
الثامن: محبة أصحابه وأهل بيته، وإعمال وصيته فيهم
وليس من شكٍّ أنَّ الطعن فيهم، والنيل منهم، نيل وطعن في النبي صلى الله عليه وسلم، فالمرء على دين خليله. ولذا فإن العقل لا يمكن أن يتصور محباً صادقاً للنبي صلى الله عليه وسلم قالياً مبغضاً لأصحابه وآل بيته.
ثبت في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله، وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه. فقال ابن دينار: أصلحك الله! إنهم الأعراب، وإنهم يرضَوْن باليسير. فقال عبد الله: إن أبا هذا كان وُدَّا لعمر بن الخطاب، وإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ أبرَّ البر صلةُ الولد أهلَ ودِّ أبيه».
وكذلك: فإن محبة الصحابة وآل البيت من محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
التاسع : التأدب معه.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات/2].
العاشر: عدم الغلو فيه
لشدة بغضه صلى الله عليه وسلم لذلك، فهل يعمل المحبُّ ما يُسخط حبيبَه؟
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَجَعَلْتَنِي وَاللَّهَ عَدْلًا! بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» رواه أحمد.
وعنَّ الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذِ بن عَفْرَاءَ، قَالَتْ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ عَلِيَّ صَبِيحَةَ بُنِيَ بِي، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٍ يَضْرِبْنَ بِدُفٍّ لَهُنَّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ إِلَى أَنْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ: «دَعِي هَذَا وَقُولِي الَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ» رواه البخاري.
ألا فاملؤوا قلوبكم بحبِّ نبيكم صلى الله عليه وسلم.
رب صل وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
