
الجمع بين الصلوات
بسم الله الرحمن الرحيم
الجمع بين الصلوات
مهران ماهر عثمان
6 شعبان 1441ه
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحيه أجمعين، أما بعد؛
فهذه بعض النقاط التي تتعلق بمسألة الجمع بين الصلوات، أحببت أن أذكر بها، سائلا الله تعالى لي ولكم التوفيق والسداد.
.
ما معنى الجمع بين الصلوات؟
“المراد بجمع الصلوات -عند الفقهاء- هو: أداء الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء تقديماً أو تأخيراً” [الموسوعة الفقهية الكويتية (15/ 284)].
.
قسما الجمع بين الصلوات
1/ جمع حقيقي كما ورد في التعريف السابق.
2/ جمع صُوْرِي، أي يوقع الصلاة الأولى في آخر وقتها، والثانية في أوله، فتكون صورة المصلي أنه جمع بين صلاتين، وفي الحقيقة أنه أوقع كل صلاة في وقتها.
ثبت عند مسلم، عن عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون الصلاة الصلاة. قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أم لك؟ فهذا محمول على أنه جمعٌ صوري. بمعنى أنه أخَّر المغرب إلى آخر وقتها فلما صلاها، دخل وقت العشاء فصلاها، فأوقع كل صلاة في وقتها، لكن كانت الأولى في آخر الوقت، والثانية في أول وقتها، وهذا هو الجمع الصوري.
.
الجمع بلا سبب كبيرة
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الكَبَائِرِ” رواه الترمذي.
ولهذا قال جماعة: إن ترك الجمع أولى.
.
متى يُشرع الجمع بين الصلوات؟
1/ عند المطر
وهو مذهب الجمهور، منهم مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله.
وهو الحق؛ لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ”. فقيل لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ:”كَيْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ”رواه مسلم.
ففي الحديث دليل على مشروعية الجمع بسبب الخوف والمطر، وعلى مشروعيته لرفع الحرج، أي: إذا أوقع الصلاة التي يمكن أن تُجمع مع أختها في وقتها في يوم معين وكان في ذلك حرج، فإنه يجمع بينهما.
وأما الجمع بلا عذرٍ ولا حرج فهو كبيرة.
وهذه بعض الآثار في ذلك:
روى الأثرم في سننه عن سلمة بن عبد الرحمن أنه قال:”من السنة إذا كان يوم مطير أن يُجمع بين المغرب والعشاء”.
وروى مالك عن نَافِعٍ: “أَنَّ ابن عُمَرَ رضي الله عنه كان إذا جَمَعَ الْأُمَرَاءُ بين الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ في الْمَطَرِ جَمَعَ مَعَهُم” رواه في الموطأ.
وعن موسى بن عقبة: “أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إذا كان المطر، وأنَّ سعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن، ومشيخة ذلك الزمان، كانوا يصلون معهم ولا ينكرون ذلك” رواه البيهقي في السنن.
وعن عبد الرحمن بن حَرْمَلَةَ قال: “رَأَيْت سَعِيدَ بن الْمُسَيّبِ يُصَلِّي مع الأئمة حين يَجْمَعُونَ بين الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ في اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ” رواه ابن أبي شيبة.
وعن هِشَامِ بن عروة قال: رَأَيْت أبان بن عُثْمَانَ يَجْمَعُ بين الصَّلَاتَيْنِ في اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ؛ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَيُصَلِّيهِمَا معه: عُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدُ بن المسيِّب، وأبو بَكْرٍ بن عبد الرحمن، وأبو سَلَمَةَ بن عبد الرحمن، لاَ يُنْكِرُونَهُ” رواه ابن أبي شيبة.
وعن أبي مَوْدُودٍ عبد الْعَزِيزِ بن أبي سُلَيْمَانَ قال: صَلَّيْت مع أبي بَكْرٍ بن مُحَمَّدٍ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا في اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ” رواه ابن أبي شيبة.
وعن نافع: أنَّ أهل المدينة كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، فيصلي معهم ابن عمر، لا يَعيب ذلك عليهم” رواه عبد الرزاق.
قال الإمام مالك رحمه الله:” يجمع بين المغرب والعشاء في الحضر وإنْ لم يكن مطر إذا كان طين وظلمة، ويجمع أيضاً بينهما إذا كان المطر” [المدونة 1/ 115].
.
فما مقدار المطر الذي يبيح الجمع بين العشاءين؟
قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: “وَالْمَطَرُ الْمُبِيحُ لِلْجَمْعِ هُوَ مَا (يَبُلُّ) الثِّيَابَ، وَتَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ بِالْخُرُوجِ فِيهِ، وَأَمَّا الطَّلُّ، وَالْمَطَرُ الْخَفِيفُ الَّذِي لَا يَبُلُّ الثِّيَابَ، فَلَا يُبِيحُ، وَالثَّلْجُ كَالْمَطَرِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَكَذَلِكَ الْبَرَدُ” [المغني (2/ 203)].
والمطر الخفيف لا يمنع الناس من الخروج، بل إنهم يقصدون الخروج والتنزه فيه؛ لما يصحبه من جو لطيف؛ فأين المشقة التي تبيح الجميع بين الصلوات هنا؟
.
إذا كان المطر متوقعاً
لا يجوز ذلك؛ لعدم الدليل الذي قضى بالجمع للمشقة، وأين المشقة في المطر المتوقَّع؟!
وخالف في ذلك المالكية، قال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير للشيخ الدردير (1/ 370) “قَوْلُهُ (أَوْ مُتَوَقَّعٌ)، قُلْت: الْمَطَرُ إنَّمَا يُبِيحُ الْجَمْعَ إذَا كَثُرَ، وَالْمُتَوَقَّعُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ، … إذَا جَمَعَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَمْ يَحْصُلْ الْمَطَرُ فَيَنْبَغِي إعَادَةُ الثَّانِيَةِ فِي الْوَقْتِ”.
فمن قلد المالكية في ذلك ولم ينزل المطر فعليه أن يعيد الصلاة في الوقت.
.
وإذا نزل المطر فكيف يكون الأذان؟
وردت كيفيتان:
الأولى: أن يقول المؤذِّن: صلوا في بيوتكم بدلاً عن الحيعلتين.
لحديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قال لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ: إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ. فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا، قَالَ: فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي؛ إِنَّ الْجُمْعَةَ عَزْمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالدَّحَض. رواه الشيخان.
الثانية: أن يحافظ على نظم الأذان، فإذا فرغ قال: صلوا في بيوتكم.
وهذه جاءت في حديث نافع قال: أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: «أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَال»، فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوْ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ» رواه الشيخان.
والرِّحال: المساكن.
قال النووي رحمه الله:” وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن يقول: ألا صلوا في رحالكم في نفس الأذان، وفي حديث ابن عمر أنه قال في آخر ندائه، والأمران جائزان نص عليهما الشافعي رحمه الله تعالى في الأم في كتاب الأذان، وتابعه جمهور أصحابنا في ذلك، فيجوز بعد الأذان وفي أثنائه لثبوت السنة فيهما، لكن قوله بعده أحسن؛ ليبقى نظم الأذان على وضعه” [شرح النووي على صحيح مسلم (5/ 207)].
.
وفي حديث ابن عمر إشكالان:
الإشكال الأول: كيف يمكن الجمع بين قول المؤذن: (حي على الصلاة)، وبين (صلوا في بيوتكم)؟
والجواب ما قاله ابن حجر رحمه الله:” يمكن الجمع بينهما… بأن يكون معنى الصلاة في الرحال رخصة لمن أراد أن يترخص، ومعنى هلموا إلى الصلاة ندب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة ولو تحمل المشقة، ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فمطرنا، فقال: «ليصل من شاء منكم في رحله»” [فتح الباري (2/ 113)].
فيكون قولُه: حيَّ على الصلاة، لمن أراد الأخذ بالعزيمة، وقوله: صلوا في بيوتكم، لمن أراد الأخذ بالرخصة.
الإشكال الثاني: الذي يُفهم من الحديث أنَّ الصلاة في البيوت في المطر مختصة بالمسافر؟
والجواب عنه في قول الحافظ رحمه الله: ” قوله (في السفر) ظاهره اختصاص ذلك بالسفر، ورواية مالك عن نافع الآتية في أبواب صلاة الجماعة مطلقة، وبها أخذ الجمهور، لكن قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضي أن يختص ذلك بالمسافر مطلقاً، ويلحق به من تلحقه بذلك مشقة في الحضر دون من لا تلحقه، والله أعلم” [الفتح (2/ 113)].
.
2/ الجمع بين الظهر والعصر في عرفة، وبين المغرب والعشاء في مزدلفة.
“أجمع الفقهاء على مشروعية الجمع بين الظهر والعصر في عرفات جمع تقديم في وقت الظهر، وبين المغرب والعشاء جمع تأخير في مزدلفة في وقت العشاء للحاج” [سبل السلام (2 / 200)].
.
3/ الجمع للسفر.
ففي صحيح مسلم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: “جَمَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الصَّلَاةِ فِي سَفْرَةٍ سَافَرَهَا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ”.
.
4/ الجمع للمرض
“اختلف الفقهاء في جواز الجمع للمريض، فذهب المالكية والحنابلة إلى جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بسبب المرض. واستدلوا بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر وفي رواية: من غير خوف ولا سفر” [الموسوعة الفقهية (15/ 288)].
.
5/ الجمع للخوف.
ويدل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما السابق.
وهذا مذهب الحنابلة وبعض الشافعية وهو رواية عند المالكية.
.
6/ الجمع لغير ذلك من الأعذار كحظر التجوال والبَرْد الشديد والريح ونزول البَرَد وصعوبة الوصول إلى المسجد بسبب الطين.
الذي يدل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنه جواز ذلك؛ فلقد قال: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ”. فقيل لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ:”كَيْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ”رواه مسلم.
فعلمنا من ذلك: أن كلَّ عذر يترتب عليه حرج فإنه مبيح للجمع بين الصلاتين.
وفي الموسوعة الفقهية (15/ 292) “وذهب طائفة من الفقهاء منهم -أشهب من المالكية، وابن المنذر من الشافعية، وابن سيرين وابن شبرمة – إلى جواز الجمع لحاجة ما لم يتخذ ذلك عادة. قال ابن المنذر: يجوز الجمع في الحضر من غير خوف، ولا مطر، ولا مرض. وهو قول جماعة من أهل الحديث لظاهر حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، فقيل لابن عباس لم فعل ذلك قال: أراد أن لا يحرج أمته. ولما روي من الآثار عن بعض الصحابة والتابعين رضي الله عنهم من أنهم كانوا يجمعون لغير الأعذار المذكورة”.
والكلام ها هنا في الجمع لحاجة لم يرد ذكرها فيما سبق، فهذا من تيسير الله تعالى.
وشريعة الله لا تفرِّق بين المتماثلات؛ فلا فرق بين الجمع للمطر، أو لغير ذلك من الأعذار التي يترتب الحرج على تركه معها، وقد علمتَ أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جمع؛ لئلا يحرج أمته، فهذا صريح في بيان مشروعيته عند كل حاجة ما لم يُتَّخذ ذلك عادةً.
أما إذا لم يوجد حرج فلا يُجمع بين الصلوات، فالأولى إذا لم يكن أمر وجود الطين في الشوارع شاقاً على الجميع أو غالب المصلين أن تُصلَّى كل صلاة في وقتها، وأما من لا يستطيع أن يأتي أو يخاف على نفسه من الانزلاق بسببه فهو معذور بذلك في ترك الجماعة.
.
7/ الجمع للمستحاضة.
عن حَمْنةَ بِنتِ جَحشٍ رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّها استفتَتِ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الاستحاضةِ، فقال لها: «فإنْ قَويتِ على أنْ تُؤخِّري الظُّهرَ، وتُعجِّلي العَصرَ، فتَغتسلينَ وتَجمعينَ بين الصَّلاتينِ، فافعلي» رواه أحمد وأبو داود.
وإنما تجمع إذا كان هناك حرج بالنسبة إليها.
قال ابن تيمية: “يَجمَعُ مَن لا يُمكِنُه إكمالُ الطهارةِ في الوقتين إلَّا بحَرَج كالمستحاضة، وأمثال ذلك من الصور” [مجموع الفتاوى (24/ 84)].
والغسل ليس شرطاً لهذا الجمع، وإنما اشترط العلماء المشقة، فلو أنها صلت وجمعت بدون اغتسال فلا حرج عليها، فغسلها سنة وليس واجباً.
قال ابن عثيمين رحمه الله: “يجوز الجمع للمستحاضة بين الظهرين (الظهر والعصر) والعشاءين (المغرب والعشاء) لمشقة الوضوء عليها لكل صلاة” [الشرح الممتع (4/ 559)].
.
فهل يجمع بين الظهر والعصر لهذه الأعذار؟
لم يقل به إلا الشافعية، ووافقهم ابن تيمية رحمهم الله.
وحديث ابن عباس يدل على جوازه إذا دعت الحاجة إليه.
وفي هذا الباب حديث مرفوع لكنه لا يصح، وفي مصنف عبد الرزاق، عن صفوان بن سليم قال: “جمع عمر بن الخطاب بين الظهر والعصر في يوم مطير”.
ورجَّح الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أنه يجمع بين الظهرين أيضا لهذه الأعذار، إذا وجدت المشقة. قال رحمه الله: “القول الصحيح في هذه المسألة: أنه يجوز الجمع بين الظهرين لهذه الأعذار، كما يجوز الجمع بين العشاءين، والعلة هي المشقة، فإذا وجدت المشقة في ليل أو نهار جاز الجمع” [الشرح الممتع 4/ 393].
.
الجمع بين العصر والجمعة
لم يقل به إلا الشافعية، وبعضهم أنكره كما في [البحر المحيط 7/ 78]، قالوا به لرفع الحرج.
ودليل الجمهور المانعين: عدم الدليل، والعبادات لا قياس فيها.
ولا يخفى أنَّ الأحناف يمنعون من الجمع مطلقا إلا بعرفة ومزدلفة.
والراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لهذا الحديث:
عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: أصابت النَّاسَ سَنَةٌ على عهد رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبينا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يخطبُ على المنبرِ يومَ الجُمعة، قام أعرابيٌّ فقال: يا رسولَ الله، هلك المالُ، وجاع العيالُ، فادعُ الله لنا أن يسقيَنا. قال: فرفَع رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يديه، وما في السَّماء قَزَعة، قال: فثار سحابٌ أمثالُ الجبالِ، ثم لم ينزلْ عن منبرِه حتى رأيتُ المطرَ يتحادرُ على لحيتِه. قال: فمُطرنا يومَنا ذلك، وفي الغدِ، ومِن بعد الغدِ، والذي يليه إلى الجمعةِ الأُخرى. فقام ذلك الأعرابيُّ، أو رجلٌ غيرُه، فقال: يا رسولَ الله، تهدَّم البناءُ، وغرقَ المالُ، فادعُ الله لنا. فرفَع رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يديه وقال: «اللهمَّ حوالينا ولا علينا». قال: فما جعل يشيرُ بيده إلى ناحيةٍ مِن السَّماء إلا تفرَّجت» رواه الشيخان.
فلم يجمع نبينا صلى الله عليه وسلم بين الجمعة والعصر.
.
الاقتداء بالإمام في الجمع وعدمه
إذا جاء الناس إلى المسجد في صلاة الظهر ونزلت الأمطار ولم يجمع إمامهم فلا ينبغي أن يشوشوا عليه؛ ففي الحديث: «إِنَّمَا الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» متفق عليه.
والجمع بين الظهر والعصر لم يقل بها إلا الشافعية، وأما الأحناف فلم يقولوا إلا بالجمع في عرفة ومزدلفة.
قال شيخ الإسلام: “ولهذا ينبغي للمأموم أن يتبع إمامه فيما يسوغ فيه الاجتهاد، فإذا قنت قنت معه، وإن ترك القنوت لم يقنت؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، وقال: «لا تختلفوا على أئمتكم »، وثبت عنه في الصحيح أنه قال: «يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم»” [مجموع الفتاوى 23/ 115 – 116].
.
متى يوتر من جمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم؟
يوتر بعدهما إذا أراد ذلك، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، وخالف في ذلك المالكية.
والذي يظهر أنَّ الراجح جواز ذلك؛ لحديث سنن أبي داود، قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْعَدَوِيُّ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ، وَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، وَهِيَ الْوِتْرُ، فَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ».
رب صل وسلم على نبينا محمد.
