مقالات

الانقياد لله

بسم الله الرحمن الرحيم
الانقياد لله تعالى
مهران ماهر عثمان

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
فإن الله تعالى لا يقبل من عباده سوى دين الإسلام
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].
وهذا يعني أن الدين المقبول عند الله هو دين الإسلام، وأن كل دين سواه غير مقبول؛ لأن الدين الصحيح ما يرضي الله عن فاعله ويثيبه عليه، ﴿وهو في الآخرة من الخاسرين﴾، أي: الواقعين في الخسران يوم القيامة، وهو حرمان الثواب وحصول العقاب.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ [النساء:47].
“والطمس يردها إلى مواضع القفا والقفا إلى مواضعها” [فتح البيان في مقاصد القرآن 3/ 142].
وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ [المائدة: من الآية3].
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار».

فما معنى قول أحدنا: أنا مسلم؟
الإسلام الاستسلام لله تعالى، ولا تستقر قدمُ عبد في دين الله إلا إذا استسلم وانقاد له.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله: “أصل الإسلام: الاستسلام، لأنه من استسلمت لأمره، وهو الخضوع لأمره” [تفسير الطبري 2/510].
وقال: “القول في تأويل قوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾: يعني بذلك جل ثناؤه: ورضيت لكم الاستسلام لأمري، والانقياد لطاعتي” [تفسير الطبري 9/522].

الانقياد لأمر الله والاعتراض عليه
يقول ربنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة/26]، هذا حال المؤمنين، ينقادون لأمر الله ولا يجادلون.
ولما تحوَّلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة –زادها الله تشريفاً- تكلم من تكلم من المنافقين وأهل الكتاب والمشركين، فسماهم الله ﴿سفهاء﴾، لنعلم أن السفيه من كان الطعن في دين الله دأبه والاعتراض هجيراه! ثم بين ربنا أن البر أن ينقاد المسلمون لأمر الله، لا أن يصلوا إلى تلك الجهة أو إلى غيرها، قال تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة/177].

انقياد الملائكة لله تعالى
ماذا نقول فيمن سجد لغير الله؟ بماذا نحكم عليه؟ يكون مشركاً بلا ريب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن السجود لا يكون إلا لله» رواه أحمد، قالها لأصحابه لما سجد له بعير فقالوا: يارسول الله هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك، نحن أولى بأن نسجد لك! فالسجود لا يصرف إلا لله، لكن إذا كان السجود لغير الله بأمر الله كان طاعة وقربة لله، أمرت الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام فسجدوا وأبى إبليس فكان من الكافرين المعتدين الظالمين. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة/34].

انقياد الأنبياء لله تعالى
من المسلَّمات في دين الله أن من أقدم على قتل ولده فقد أمسك بالجرائر من نواصيها!
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام/151]..
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء/31]..
﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام/137]..
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام/140]..
ولكن لما أقدم الخليل على ذبح ولده كان فعله طاعة واستسلاما وانقياداً، قال ربنا: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين﴾ الصافات[99-110]. فكان الاستسلام منهما؛ لأن الوالد اتبع ما أوحي إليه، والولد لم يجزع وإنما حث أباه على تنفيذ أمر ربه؛ ولذلك قال الله عنهما: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾.
إنَّ من الذنوب أن يترك الإنسان زوجه وولده في مكان لا حياة فيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» رواه أحمد وأبو داود. لكن لما حدث هذا بأمر الله كان طاعة لله وانقيادا له، ترك إبراهيم هاجر وإسماعيل عليه السلام –وكان رضيعاً- في صحراء لا حياة فيها ولا أنيس! وكان هذا انقيادا لأن الله أمر به ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم/37].
وتأمل في انقياد نوح عليه السلام لله تعالى في هذه الآيات: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47)﴾ [هود: 46، 47].

انقياد أتباع الأنبياء لله تعالى
أرأيتم كيف عظم الله تعالى الدماء؟ أعظم ذنب عصي الله به بعد الشرك: القتل، ويكون القتل طاعة إذا أمر الله به، ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة/54]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: “توبتهم أن يقتل كل واحد منهم كل من لقي من ولد ووالد فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن” [تفسير ابن كثير 1/262].

النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على كمال الانقياد لله تعالى
في صحيح مسلم، لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ [البقرة/284]، اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب! فقالوا: أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق؛ الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا! بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير»، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ [البقرة/285]، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجل: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، قال: (نعم). ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾، قال: (نعم). ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾، قال: (نعم). ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾. قال: (نعم).
أليس في القرآن وعيد لمن أخر الصلاة؟ أليست الصلاة في وقتها من أعظم أعمال الخير وأبوابه؟ ومع ذلك لما صلاها الصحابة بعد انتهاء وقتها في بني قريظة كان تأخيرها طاعة لله؛ لأنه كان بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الانقياد لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أم المؤمنين عائشة ضي الله عنها تربي النساء على الانقياد لله تعالى
في الصحيحين، عن معاذة أن امرأة سألت عائشة فقالت: أتقضي إحدانا الصلاة أيام محيضها؟ فقالت عائشة: “أحرورية أنت؟ قد كانت إحدانا تحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا تؤمر بقضاء”.
ولا بأس من التعرف على الحكم من أحكام الله وأمره، وأنا على مثل اليقين بأن أمنا عائشة رضي الله عنها تعلم أن الحكمة من ذلك أن صوم رمضان عبادة تأتي في العام مرة، والصلاة متكررة، ولكنها أرادت أن تعلمها أن الإسلام هو الانقياد لله. فرق أيها الأحبة بين من يبحث عن الحكم من أوامر الله ليزداد بها إيمانا وبين من يبحث عنها ليعمل! فلا يعمل بالنص إلا إذا علم مغزاه والمراد به!

نماذج من انقياد الصحابة
ماذا قال عمر رضي الله عنه للحجر الأسود لما قبَّله؟ أما علمنا درسا بليغا من دروس الانقياد لله؟ في الصحيحين عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال وهو يطوف بالبيت للركن الأسود: “إنما أنت حجر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك” ثم قبله.
وثبت عند الترمذي، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه، أَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي البَقَرَةِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ﴾ [البقرة: 219]، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43]، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنَ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي المَائِدَةِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ [ص:254] فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ﴾ [المائدة: 91]- إِلَى قَوْلِهِ – ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: «انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا».
وفي صحيح البخاري، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: “يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31] شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا ”
و”مرطوهن” جمع مرط وهو الإزار والإزار هو الملاءة.
وعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ زَوَّجَ أُخْتَهُ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ مَا كَانَتْ، ثُمَّ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً لَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى انْقَضَتِ العِدَّةُ، فَهَوِيَهَا وَهَوِيَتْهُ، ثُمَّ خَطَبَهَا مَعَ الخُطَّابِ، فَقَالَ لَهُ: يَا لُكَعُ أَكْرَمْتُكَ بِهَا وَزَوَّجْتُكَهَا فَطَلَّقْتَهَا، وَاللَّهِ لاَ تَرْجِعُ إِلَيْكَ أَبَدًا آخِرُ مَا عَلَيْكَ، قَالَ: فَعَلِمَ اللَّهُ حَاجَتَهُ إِلَيْهَا، وَحَاجَتَهَا إِلَى بَعْلِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ فَلَمَّا سَمِعَهَا مَعْقِلٌ قَالَ: سَمْعًا لِرَبِّي وَطَاعَةً، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: أُزَوِّجُكَ وَأُكْرِمُكَ. رواه البخاري، والترمذي، واللفظ له.

سنة الله إهلاك أهل العناد وعدم الانقياد
قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: 17]. قال القرطبي: “ألا يعتبرون بمن أهلكنا من الأمم قبلهم لتكذيبهم أنبياءهم” [تفسير القرطبي 6/391]. وقال: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ﴾ [الروم: 42]. وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: 14].

من السفه الاعتراض على أحكام الله تعالى
قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 142].
“قيل: المراد بالسفهاء هاهنا مشركوا الْعَرَبِ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ، وَقِيلَ أَحْبَارُ يَهُودَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقِيلَ: الْمُنَافِقُونَ، قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَالْآيَةُ عَامَّةٌ فِي هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ” [تفسير ابن كثير (1/324)].
فقالت اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم؟ وقال المنافقون: مَا لِهَؤُلَاءِ تَارَةً يَسْتَقْبِلُونَ كَذَا وَتَارَةً يَسْتَقْبِلُونَ كَذَا؟ [انظر: تفسير ابن كثير (1/326)]، واعترض المشركون، فاحاطت بهم جميعاً دائرة السفه! وهذا حال كل معترض على حكم شرعي، فإنه (سفيهٌ) بنص كتاب الله.
وفي قول ربنا: ﴿سَيَقُولُ﴾، دليل على استدامة ذلك، ومن سفهاء العصر الحديث الذين طعنوا في القرآن بهذا الحكم: القسيس عبد الله الفادي. وقد ألف كتاب كامل في الرد عليه وأمثاله، وهو: “القرآن ونقض مطاعن الرهبان”.
فما من أحد يعترض على حكم الله تعالى إلا وكان من اهل السفه!

نماذج لمن ترك سبيل الانقياد وسلك طريق الإعراض!
رفض إبليس الانقياد للأمر الإلهي، وجاء بحجج واهية متهاوية في تبرير عصيانه فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ الأعراف﴾ [الأعراف: 12]، فاعترض بالقياس العقلي على الأمر الشرعي، ولا تسليم له أيضاً في قياسه العقلي فقياسه فاسد، فالطين أفضل من النار؛ لأن النار تحرق، والطين ينبت الكلأ والزرع وطعام الناس والماشية، فكانت النتيجة أن نال وسام العصيان لذي الجلال، مع اللعنة على الدوام.
ابن نوح عليه السلام
وقال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: 42، 43]. فقول الابن: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ ‏ﻫﺬﺍ ﻋﻘﻞ.
وقول النبي عليه السلام: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ ﻫﺬﺍ ﻧﺺ.
وقول ربنا: ﴿ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ ﻫﺬﻩ نتيجة.
فكل من قدم عقله على النص يُخشى عليه من مثلها!
قال ابن تيمية رحمه الله: “ولهذا تجد من تعود معارضة الشرع بالرأي لا يستقر في قلبه الإيمان” [درء تعارض العقل والنقل (1/ 178)].
الآكل بشماله
عن سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رضي الله عنه: أن رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ»، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ»، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ. رواه مسلم.

أنواع العقوبات التي عذب الله بها أهل الإعراض والعناد
في سنن ابن ماجه، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ، وَعَهْدَ رَسُولِهِ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ”

ومن العقوبات: الغرق
وممن عذبوا به أهل سبأ. قال ربنا: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: 15 – 17].
والمعنى: لقد كان لقبيلة سبأ في مسكنهم الذي كانوا يسكنون فيه علامة ظاهرة على قدرة الله وإنعامه عليهم؛ وهي جنتان: إحداهما عن اليمين، والثانية عن الشمال وقلنا لهم: كلوا من رزق ربكم، واشكروه على نعمه؛ هذه بلدة طيبة، وهذا الله رب غفور يغفر ذنوب من تاب إليه. فأعرضوا عن شكر الله والإيمان برسله، فعاقبناهم بتبديل نعمهم نقما، فأرسلنا عليهم سيلا جارفا خرب سدهم وأغرق مزارعهم، وبذلنا هم ببستانيهم بستانين مثمرين بالثمر المر، وفيهما شجر الأثل غير المثمر، وشيء قليل من السدر.

ومن العقوبات: الريح
وهو عذاب الله لقوم عاد لما كفروا بربهم. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة:6].

ومنها: الصيحـة
والصيحة هي كما قال القرطبي في تفسيرها: “صيح بهم فماتوا، وقيل صاح بهم جبريل، وقيل غيره. وقال أيضاً: كانت صيحة شديدة خلعت قلوبهم” [تفسير القرطبي 7/42، 9/61].
وهي عذاب الله الذي عذب به قوم صالح ﴿وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ﴾ [هود:67].

ومنها: الحـاصب
والمراد به: الحصباء في الريح، كما قال ابن حجر رحمه الله [فتح الباري 8/391]، أو الرجم بالحجارة.
وهو العذاب الذي عذب الله به قوم لوط، قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ مَّنْضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبّكَ وَمَا هِى مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:82، 83].

الخسف:
وهو ذهاب المكان ومن عليه وغيبوبته في بطن الأرض.
وهو عذاب الله تعالى لقارون لما بغى وأفسد، قال ربنا: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ﴾[القصص:81]..

الجوع والعطش وضيق الأرزاق:
وهو ما عذب به أهل مكة، قال ربنا: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112].

المسخ:
وهو تحويل صورة الآدمي إلى حيوانٍ أو غيره، وقد عذب الله بني إسرائيل عندما اعتدوا في السبت، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: 65].
اللهم اجعلنا من خير المسلمين المنقادين لأمرك.

رب صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شارك المحتوى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *