الدين الإبراهيمي – بحوث
بسم الله الرحمن الرحيم
الدين الإبراهيمي
مهران ماهر عثمان
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد؛
بعد تطبيع بعض حكام بلاد المسلمين مع الكيان الصهيوني شرع بعض من لا دين لهم ممن يظنهم فئام من الناس من العلماء وأهل الدعوة في إحلال دين جديد كبديل لدين الإسلام؛ وهو “الدين الإبراهيمي”!
فيحاولون هذه الأيام إقناع المسلمين بأن:
- الإسلام واليهودية والنصرانية سواء!
- وأن جميع المسلمين والنصارى واليهود ينتمون إلى ديانة إبراهيم!!
- وأن الجنة تسع المسلم وغيره!!
ولذلك عزمت على أن أتناول هذه القضية برد مفصل بحول الله تعالى في سلسلة خطب، هذه أولها.
لا دين سوى دين الإسلام
إنَّ اعتقاد أن الأديان كلها بمنزلة واحدة اعتقاد فاسد، وتكذيب لنصوص القرآن والسنة المبينة أنه لا دين مقبول سوى دين الإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، ومن هذه النصوص:
1/ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].
أي: ومن يطلب ديناً غير دين الإسلام الذي هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والعبودية، ولرسوله النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم بالإيمان به وبمتابعته ومحبته ظاهراً وباطناً، فلن يُقبل منه ذلك، وهو في الآخرة من الخاسرين الذين بخسوا أنفسهم حظوظها.
2/ قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران/ 19].
قال ابن كثير رحمه الله: “قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾، إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا دِينَ عِنْدَهُ يَقْبَلُهُ مِنْ أَحَدٍ سِوَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الرُّسُلِ فِيمَا بَعَثَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ، حَتَّى خُتِمُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي سَدَّ جَمِيعَ الطُّرُقِ إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ بَعْدَ بِعْثَتِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدِين عَلَى غَيْرِ شَرِيعَتِهِ، فَلَيْسَ بِمُتَقَبَّلٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُخْبِرًا بِانْحِصَارِ الدِّينِ الْمُتَقَبَّلِ عِنْدَهُ فِي الْإِسْلَامِ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾” [تفسير ابن كثير2/ 25].
3/ قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120].
فسمى الله ما هم عليه: هوىً، والهوى ليس بدينٍ، وأضاف الله في هذه الآية الملة إليهم، ولم ينسبها إلى نفسه، فقال: ﴿ملَّتهم﴾، فملتهم مغايرة لملة الله التي رضيها لعباده.
4/ ومما قرره الله تعالى في القرآن أن الكفر برسول واحد كفر بجميع المرسلين.
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 105]، وهو أول رسول إلى أهل الأرض، قال ربنا: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: 163]. فكيف بمن كفر بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم؟ كيف يكون مسلماً؟!!
ولهذا:
نحن –المسلمين- أولى بعيسى عليه السلام من النصارى؛ لأنهم كفروا به، فالكفر بنبيٍّ واحدٍ كفر بجميع الأنبياء كما دلت آية الشعراء عليه، فيكون كفرهم برسولنا صلى الله عليه وسلم كفر بعيسى عليه السلام.
وقل مثل ذلك في اليهود، ولذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم في حديث عاشوراء لليهود: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ» رواه الشيخان.
5/ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: 72، 73].
وهاتان آيتان واضحتان ناطقتان بكفر النصارى، فكيف يكون دينهم مقبولاً عند الله تعالى وقد حكم بكفرهم!!؟
6/ روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».
وهذا بيان واضح من أفصح العباد، ولا يقول بغير ما دلَّ عليه إلا من ختم الله تعالى على قلبه!
قال النووي رحمه الله: “وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة»؛ أي: مَن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليهم الدخول في طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على من سواهما، وذلك لأن اليهود النصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا، فغيرهم ممن لا كتاب له أولى” [شرح النووي على مسلم 2/ 188].
7/ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن غلامًا يهوديًّا كان يَخْدُمُ النبي صلى الله عليه وسلم، فمرِض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ، فقعد عند رأسه، فقال له: «أسلِم»، فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه، فقال له: أطِع أبا القاسم، فأسلَم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من عنده وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه بي من النار» رواه البخاري.
والحديث دليل على أن اليهودية والنصرانية بعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستا من الإسلام في شيء، وأنَّ من مات عليهما من أهلهما فإن مصيره إلى النار.
8/ رسائل النبي صلى الله عليه وسلم وكتبه إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، منهم: النجاشي ملك الحبشة، والمقوقس ملك مصر، وكل هؤلاء كانوا نصارى، وهذه رسالته صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، وهذا نصها:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلِم تسلَم، يُؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأرِيسِيِّين، و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64]» رواه البخاري.
قال الإمام الزهري: “كانت كتب النبي صلى الله عليه وسلم إليهم واحدة -يعني نسخة واحدة- وكلها فيها هذه الآية” [السيرة النبوية لابن كثير 2/ 41].
الإجماع على كفر اليهود والنصارى
قال ابن حزم رحمه الله: “واتفقوا على تسمية اليهود والنصارى كفارًا” [مراتب الإجماع، ص119].
وهذا ما قاله ابن القطان رحمه الله في [الإقناع في مسائل الإجماع 1/ 352].
وقال أبو العباس القرطبي: “من وحَّد الله تعالى ولم يؤمنْ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، لم ينفعْهُ إيمانُهُ بالله تعالى ولا توحيدُهُ، وكان من الكافرين بالإجماعِ القطعيِّ” [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 2/ 54].
إجماع العلماء على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى
وأما الإجماع على كفر من لم يكفر أهل الكتاب فأورده غيرُ واحدٍ:
قال ابن حزم رحمه الله: “الْيَهُود وَالنَّصَارَى كفار بِلَا خلاف من أحد من الْأمة، وَمن أنكر كفرهم فَلَا خلاف من أحد من الْأمة فِي كفره وَخُرُوجه عَن الْإِسْلَام”[الفصل في الملل والأهواء والنحل 3/ 110].
وقال القاضي عياض رحمه الله: “الْإِجْمَاع عَلَى كُفْرِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ أَحَدًا مِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ، وَكُلَّ مَنْ فَارَقَ دِينَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ وَقَفَ فِي تَكْفِيرِهِمْ، أَوْ شَكَّ” [الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2/ 281].
فهذا الإمام نقل إجماعاً على كفر مَن شَكَّ في كفر اليهود والنصارى، فكيف بمن يُشَكِّكُ في ذلك!؟ لا ريبَ أنه رأس في الكفر.
شبهات وردها
عادة أهل الباطل أنهم لا يتركون قضية من مسلَّمات الدين إلا ويثيرون الشبهات حولها! وهذا رد على شبهات تتعلق بقضيتنا هذه:
الشبهة الأولى
الإسلام لا يختص بدين رسول الله صلى الله عليه وسلم! وعليه: فأهلُ الكتاب مسلمون، ومصيرُهم في الآخرة مصير أتباع محمد صلى الله عليه وسلم!!
الإجابة:
الإسلام له معنيان، الإسلام بالمعنى العام يطلق على: الانقياد والاستسلام لله، وإخلاص العبادة له.
قال تعالى عن نوح: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 72].
وقال عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 131].
وقال عن موسى: ﴿وقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِين﴾ [يونس: 84].
وقال عن المسيح: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: 111].
وقد قال تعالى عن أنبياء بني إسرائيل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: 44].
وقال تعالى عن ملكة سبأ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44].
فالإسلام معناه في هذه الآيات: الانقياد لله وإخلاص العبادة له.
فكل من آمن بنبيه فهو مسلم؛ لأنه امتثل أمر الله فوحَّده واتبع نبيه الذي أرسله إليه.
وأما المعنى الثاني للإٍسلام: فهو الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم.
واليهود والنصارى اليوم لا يتناولهم المعنى العام للإسلام. كيف ذلك؟
سبق تعريف الإسلام بالمعنى العام أنه اتباع الرسل والاستسلام لأمر الله، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: 157]. وقال عن عيسى عليه السلام: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6]، وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 146]، أي: يعرفون أن محمداً –صلى الله عليه وسلم- رسول الله. فهل انقادوا لله وآمنوا به؟! لا. فكيف يتأتى أن يقال عنهم: إنهم مسلمون بالمعنى العام للإسلام؟!!
الشبهة الثانية
نعت الله اليهود والنصارى بالكفر، ولم ينعتهم بالشرك، وفرق بين الكفر والشرك؛ فإن الكفر لا يخلد في نار جهنم، بخلاف الشرك.
ولم أرَ في شبهات أهل الباطل عموماً شبهةً استوعبت الجهل كلَّه كهذه الشبهة!! والرد عليها من وجوه:
أولاً:
ادعاء أن الكفر لا يخرج من الملة -هكذا بإطلاق- زعم باطل، فالكفر منه ما هو أصغر ومنه ما هو أكبر. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 168، 169]. ومعنى الآية: إن الذين كفروا بالله وبرسوله، وظلموا باستمرارهم على الكفر، لم يكن الله ليغفر ذنوبهم، ولا ليدلهم على طريق ينجيهم. فالخلود الأبدي المنصوص عليه في الآية لا يكون إلا لمن وقع في الكفر الأكبر.
ومن الكفر الأكبر ما ورد في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65، 66]، فهل يقول عاقل: إن الاستهزاء بالله كفر أصغر!!؟
ثانياً:
ادعاء أن الشرك كله مخلد في النار ولا يوجد شركٌ أصغر هذا باطل كذلك!
فمن الشرك الأصغر على سبيل المثال: الطِّيَرة، فقد ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» رواه أبو داود.
ثالثاً:
قولهم: لم ينعت الله أهل الكتاب بالشرك باطل.
فإنَّ وَصْفَهم بالشرك ثابتٌ في القرآنِ والسنة والآثارِ الصحيحة.
أما القرآن فقد ورد ذلك في موضعين:
الأول:
قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:72].
قال الإمام الطبري رحمه الله: “يقول الله تعالى ذكره: فلما اختبرتهم وابتليتهم بما ابتليتهم به أشركوا بي، وقالوا لخلق من خلقي وعبد مثلهم من عبيدي وبشر نحوهم معروف نسبه وأصله مولود من البشر يدعوهم إلى توحيدي ويأمرهم بعبادتي وطاعتي ويقر لهم بأني ربه وربهم وينهاهم عن أن يشركوا بي شيئاً: هو إلههم؛ جهلاً منهم بالله، وكفراً به” [تفسير الطبري 4/ 652]، فالشرك كما يكون في العبادة يكون بصرف الصفات التي لا تكون إلا لله لغير الله [انظر: تفسير البيضاوي 1/352]، ولهذا حُكم عليهم بالشرك.
الموضع الثاني:
قوله: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ [التوبة:31].
فهذا نعت لهم بالشرك، قال الإمام الطبري مبيِّناً المراد بهؤلاء المشركين: “القائلون: ﴿عزير ابن الله﴾، والقائلون: ﴿المسيح ابن الله﴾، المتخذون أحبارهم أرباباً من دون الله” [جامع البيان 6/ 353]. ثبت عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ»، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» رواه الترمذي. وللطبراني والبيهقي: قال عدي: إنَّا لسنا نعبدهم! فقال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه»؟ قلت: بلى. قال: «فتلك عبادتهم».
وأما السنة فالأدلة كثيرة، أذكر منها الحديث التالي:
عن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ أَكْثَرَ مِمَّا يَصُومُ مِنْ الْأَيَّامِ وَيَقُولُ: «إِنَّهُمَا عِيدَا الْمُشْرِكِينَ؛ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ» أخرجه أحمد وقوَّاه ابن تيمية رحمهما الله.
ومن الآثار التي نعتت النَّصارى بالشرك ما ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم؛ فإن السخطة تنزل عليهم» رواه البيهقي، وعبد الرزَّاق.
رابعاً:
لو سلَّمنا بأنَّ الله لم ينعتهم بالشرك –وهذا باطل، وإنما هو تسليم جدلي محض لبيان باطلهم- أقول: لو سلمنا بذلك فقد نعتهم بالكفر، وكفرهم كفر أكبر، والشرك نوع من أنواعه؛ لذا قال الله تعالى في قصة صاحب الجنتين: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: 37]، قال له: ﴿أكفرت﴾، ثم قال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:42].
الشبهة الثالثة
استدلالهم بقول الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة:82].
والجواب:
أنَّ من يقف عند هذا الحد من الآية كمن يقف على المصلين في قوله تعالى: ﴿فويل للمصلين﴾، لأنك لو استرسلت في قراءة الآية الكريمة فستجد بها قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، فالآية في النصارى الذين آمنوا، وليست في الذين أصروا على كفرهم توعدهم الله في آخر الآية بالنار.
الشبهة الرابعة
قالوا: من قال اليهود ليسوا على شيء فقد شابه النصارى، ومن قال النصارى ليسوا على شيء شابه اليهود، والله أنكر على الطائفتين بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:113].
والجواب:
أولاً: قد قال الله ذلك فيهما، قال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: 68].
ولو أقام أهل الكتاب كتبهم لآمنوا بنبينا صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: معنى الآية: وقالت اليهود: ليست النصارى على شيء من الدين الصحيح، وكذلك قالت النصارى في اليهود وهم يقرؤون التوراة والإنجيل، وفيهما وجوب الإيمان بالأنبياء جميعا، فالآية تذمهم؛ لاختلافهم بسبب الإعراض عما في كتبهم.
الشبهة الخامسة
الاستدلال بالآيات المبينة لنجاة اليهود والنصارى، كمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:62].
والجواب:
أنّ هذه الآيات فيمن مات على الإسلام قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، أو أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به، وهذا بلا خلاف، فقد أثنى الله تعالى على من آمن بما آمنا به من أهل الكتاب، قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199]، ومن كفر منهم فقد ذمَّه الله، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: 70].
وإلا فما معنى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 17]؟ هل نضرب القرآن بعضه ببعض؟!
الشبهة السادسة
الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ﴾ [المائدة: 43]، على أنهم على الحق!!
والجواب: أن حكم الله تعالى المذكور في هذه الآية: الرجم.
قال البغوي رحمه الله: “هَذَا تَعْجِيبٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِ اخْتِصَارٌ، أَيْ: كَيْفَ يَجْعَلُونَكَ حَكَمًا بَيْنَهُمْ فَيَرْضَوْنَ بِحُكْمِكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ؟ ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ وَهُوَ الرَّجْمُ، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾، أَيْ بِمُصَدِّقِينَ لَكَ” [تفسير البغوي (3/ 60)].
قال البخاري في صحيحه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ اليَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ». فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَجْنَأُ عَلَى المَرْأَةِ يَقِيهَا الحِجَارَةَ” متفق عليه. ويجنأ يغطي.
الشبهة السابعة
أباح الله ذبيحتهم وحرَّم ذبيحة المشركين، وأباح الله النكاح من نسائهم وحرم نكاح المشركات، فهذا يدل على أنَّهم ليسوا بمشركين!!
الجواب: نصوص الشرع لا يناقض بعضها بعضاً، قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء:82].
فأهل الكتاب خُصوا ببعض الأحكام، ولا يلزم من هذا أنهم ناجون من الشرك الذي نُعتوا به في القرآن والسنة، فالدليل الخاص لا يبطل العام، وإنما يخصِّص بعض أفراده.
مثال ذلك:
تخصيص قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة228]، بقوله تعالى: ﴿وَأُولاَتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلهن﴾ [الطلاق4]، فالآية الأولى عامة في الحوامل وغيرهن، وخص أولات الأحمال بالآية الثانية، فتخرج الحوامل من العموم، وكذلك خص من عموم المطلقات غير المدخول بها، بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49].
الشبهة الثامنة
الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس:94].
قال الإمام القرطبي المالكي: “الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره… أي: قل يا محمد للكافر: فإن كنتَ في شك مما أنزلنا إليك، ﴿فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك﴾، أي: يا عابد الوثن إن كنت في شك من القرآن فاسأل من أسلم من اليهود، يعني: عبد الله بن سلام وأمثاله” [الجامع لأحكام القرآن 8/339].
وهذا هو التفسير الصحيح؛ إذ لو كان المراد أن يسأل الكفار من أهل الكتاب فأنَّى لهم أن يصدُقوا في بيان حال نبي الله صلى الله عليه وسلم وقد أساؤوا إليه وكذَّبوه!!؟ كيف يأمر الله تعالى بسؤال هؤلاء؟!!
لقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7]. فويلٌ للذي يتلاعب بآيات الله ويضرب القرآن بعضه ببعض.
الشبهة التاسعة
أليست رحمة الله قد وسعت كل شيء؟ فلم تحكمون عليهم بأنهم في النار؟!
والجواب:
نعم، رحمة الله وسعت كل شيء، لكنْ من أهلها؟ قال سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: 156، 157].
عن ابن جريج قال: “لما نزلت: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾، قال إبليس: أنا من ﴿كل شيء﴾! قال الله: ﴿فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾، الآية. فقالت اليهود: ونحن نتقي ونؤتي الزكاة! فأنزل الله: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾، فنزعها الله عن إبليس، وعن اليهود، وجعلها لأمة محمدٍ: سأكتبها للذين يتّقون من قومكش” [تفسير الطبري (13/ 157)].
فالحكم عليهم بأنَّهم في النار هذا حكمُ الله تعالى وليس حكمَنا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 39].
رب صل وسلم على نبينا محمد.